مجلس الوزراء أقرّ زيادات للقطاع العامّ والمتقاعدين… قراءة في الارقام (النهار ٢٩ شباط)

تعدّدت الاقتراحات والمأزق واحد. المتقاعدون في مواجهة الحكومة و”طاحشون” بكل عزم في محاصرة جلساتها ومنعها من الاستمرار في ما يسمّونه التمييز بينهم وبين العاملين في القطاع العام. موظفو القطاع العام في مواجهة الحكومة والمواطنين معاً، معتمدين الإضراب المفتوح لمحاصرة الدولة وأبواب الدخل لديها، لدفعها باتجاه إقرار زيادات ومتممات على رواتبهم، في ما يعتبرون أنه الحد الأدنى الإنساني الذي يقبلون به، ويسمح لهم بالعودة الى مكاتبهم لاستئناف واجباتهم.
الدولة التي أجرت أكثر من مناورة حاولت من خلالها استيعاب المضربين والمتقاعدين ودفعهم إلى خفض مطالبهم، ورمت لذلك وعوداً عدة لم تستطع تنفيذ أي منها، فوصلت إلى نهاية الطريق. من هنا بات أمام الحكومة أمران: إما إقرار زيادات تمنح الجميع ما يطلبونه أو أقل منه وفقاً لما هو متوافر من سيولة لديها أو ما يوافق عليه مصرف لبنان حمايةً لمسيرة الاستقرار النقدي، شريطة العدالة والمساواة والابتعاد عن التمييز الذي ساد غالبية مقترحاتها السابقة، أو الإبقاء على حالة المراوحة والتسويف على حالها، فيما إدارات الدولة ومرافقها كافة متوقفة عن تأمين الخدمات الضرورية للمواطنين، فضلاً عن الخسائر اليومية التي تُقدّر بمئات المليارات من جراء توقف الجباية وتحصيل الفواتير والمستحقات التي تحتاج إليها الدولة بقوة في الوضع الراهن.
اعتمد مجلس الوزراء آلية زيادات يصبح من خلالها الحد الأدنى لراتب المتقاعد العسكري أو المدني في الدرجة الخامسة ما يقارب من 230 دولاراً، ويرتفع تدريجاً وفقاً للدرجات والرتب ليصل الى نحو 900 دولار (مع بدل البنزين) لموظفي وضباط الفئة الأولى من المتقاعدين.
كذلك منح موظفي القطاع العام زيادات تعادل ما حصل عليه المتقاعدون، بالإضافة إلى بدل صفائح بنزين مع سعر ثابت لا يقل عن مليون وخمسمئة ألف ليرة للصفيحة الواحدة، ووعود بحوافز دولارية سنوية، وكذلك يرفع الاقتراح بدل النقل للعسكريين في الجيش والأجهزة الأمنية إلى نحو 100 دولار شهرياً.
تفاصيل الزيادات وكلفتها؟
إذن، على وقع احتجاجات المتقاعدين في الاسلاك العسكرية وموظفي الادارة العامة، عقد مجلس الوزراء جلسة بحث فيها موضوع إعطاء تعويض موقت لجميع العاملين في القطاع العام والمتقاعدين الذين يستفيدون من معاش تقاعدي وتعديل تعويض النقل الشهري المقطوع للعسكريين.
الأرقام التي وُضعت أمام الوزراء، كانت خلاصة جهود قام بها الوزير السابق نقولا نحاس مع المعنيين في وزارة المال ومصرف لبنان في الاسبوعين الاخيرين لتأتي النتيجة مرضية قدر الامكان للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، علماً بأن الارقام عُرضت في صيغتها النهائية على أصحاب الشأن والمعنيين لأخذ الضوء الاخضر قبل عرضها على مجلس الوزراء.
وتم التوصل الى صيغة سيعطى وفقها العسكريون في الخدمة الفعلية في الاسلاك كافة 3 رواتب إضافية ليصبح مجموع ما يتقاضاه العسكريون 9 رواتب شهرياً، فيما سيخصص للمتقاعدين 3 رواتب إضافية ليصبح مجموع ما يتقاضاه هؤلاء 9 رواتب شهرياً على أن لا تقل الزيادة عن 8 ملايين شهرياً. أما موظفو الادارة العامة فيحصلون على راتبين إضافيين ليصبح مجموع ما يتقاضونه 9 رواتب شهرياً. كذلك سيخصص لموظفي الادارات العامة حصراً 16 صفيحة بنزين للفئة الأولى، و14 صفيحة للفئة الثانية، و12 صفيحة للفئة الثالثة، و10 صفائح للفئة الرابعة، و8 صفائح للفئة الخامسة (مع سقف مليون و500 ألف ليرة للصفيحة) شرط الحضور 18 يوماً شهرياً. كذلك خُصّص 4 ملايين ليرة بدل نقل إضافي للعسكريين من الرتب كافة، ليصبح بدل النقل الشهري 9 ملايين ليرة بدلا من 5 ملايين ليرة شهرياً، على أن يبدأ العمل بالزيادات بدءاً من 2023/12/1.
وعلم أنه أقر لموظفي الادارة العامة “مكافأة مثابرة” بين 150 و250 دولاراً شهرياً في حال عدم التغيّب عن العمل.
وفيما يفيد من هذه الزيادات أسوة بالادارات العامة كل من موظفي البلديات والمستشفيات الحكومية والمؤسسات العامة التي لم تعط زيادات لموظفيها، تقدر الكلفة بنحو من 2927 مليار ليرة شهرياً، وتالياً ستحتاج الحكومة لطلب فتح اعتماد إضافي بنحو 10 آلاف مليار ليرة لعام 2024 لتغطية هذه الزيادات.
وقد حصل المتقاعدون بموجب هذا الاقتراح على أكثر من 1200 مليار ليرة من أصل 2927 مليار ليرة أي أكثر من 40% من المبلغ.
واستثني من الاقتراح القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية وكافة موظفي وزارة التربية والاساتذة في الملاك والاساتذة المتعاقدين والمؤسسات العامة التي سبق أن أفادت من زيادات مثل أوجيرو، والضمان الاجتماعي، والريجي، ومجلس الإنماء والإعمار.
إدارة الدولة وفق منطق ميليشيوي
في مقاربة لأزمة الأجور والرواتب، أعاد الباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور أيمن عمر جذور أزمة الإدارات العامة إلى بداية التسعينيات عقب انتهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، فكان الخطأ التاريخي هو دمج الميليشيات المتحاربة في الإدارات العامة ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، إذ نتج عن ذلك إدارة الدولة وفق منطق ميليشيوي.
أما الأزمة الحالية، فبرأيه هي “نتاج هذا المنطق والعقلية في الإدارة والحكم الذي حوّل الدولة بمؤسساتها إلى أدوات للزبائنية الحزبية والمناطقية والطائفية بل وحتى المذهبية. فأصبحت الإدارات العامة بموظفيها مفاتيح انتخابية وعنصر استقطاب للمؤيدين وأداة لشد عصب المناصرين، بما أدى إلى تضخم أعداد الموظفين والعاملين بمختلف مسمّياتهم ورتبهم وفي كافة القطاعات والإدارات بهذا الشكل الهائل حتى قارب الـ340 ألف موظف. وانحرف القطاع العام عن دوره ومهمته في تعزيز الناتج المحلي (يسهم بنسبة 17% من الناتج المحلي) وتحسين المالية العامة إلى بؤرة للفساد وسرقة المال العام ومكاتب انتخابية على حساب الدولة وماليتها. وتالياً أصبحت قضية تصحيح أجور القطاع العام وسلسلة الرتب والرتب مسألة إشكالية تتجدد كل بضع سنين مع التغير في معدلات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، فكيف إن كنا أمام انهيار مالي وأزمة اقتصادية غير مسبوقة على مستوى العالم ككل”.
تخضع مسألة تصحيح رواتب القطاع العام في ظل انكماش اقتصادي حاد وموارد مالية محدودة للدولة، لاعتبارات عدة منها حجم الناتج المحلي ونصيب الفرد من الدخل الوطني، وتالياً حجم الوعاء الضريبي والقدرة على رفد خزينة الدولة بموارد مالية جديدة تموّل تصحيح الرواتب، حجم الكتلة النقدية ومدى إمكانية زيادتها وتأثيرها على الطلب الكلي وتغيّراته بحيث لا يفوق حجم العرض الكلي وتغيراته ومدى حجم الفجوة التضخّمية التي قد تنجم عن ذلك، حجم العجز المالي ونسبته إلى الناتج المحلي، حجم الدين العام ونسبته إلى الناتج المحلي. وهذه جميعها عوامل غير متوافرة لإقرار سلسلة رواتب تصحيحية حقيقية تتناسب والأزمة.
لا شك في أن موظفي القطاع العام بكافة مسمياتهم هم صمام أمان المجتمع اللبناني، فهم عمود الطبقة الوسطى التي بدأت بالتقلص من 70% إلى نحو 30-40%، وتالياً أصبحوا في عداد طبقة الفقراء. ولكن السلطات المتعاقبة تعاطت مع هذه القضية الحيوية على طريقة “سلق الضفدع” أي وضع الضفدع في وعاء ماء ورفع درجات الحرارة تدريجاً ليتكيف مع البيئة حوله، فكانت في كل مرة تزيد من رواتب الموظفين دون قاعدة ثابتة أو وفق معايير مالية محددة.
ويقول عمر “الأصل في الرواتب والأجور أنها كتلة واحدة تحدد وفق معايير موحدة على الإدارات والوزارات، ولكن ما يحدث أن السلطات المسؤولة لم تتعاط مع كل الإدارات والوزارات وفق هذه القاعدة، وهذا ما أحدث شرخاً وفجوة بين موظفي القطاع العام وفي نفس الرتب والدرجات، وهذه سابقة تسجل في تاريخ السلطات الحالية، وكأننا أمام قطاع عام مجزأ بل وسيادة وطنية مجزأة.
صحيح أن سعر الصرف يشهد نوعاً من الاستقرار النسبي منذ آذار 2023 وهذا مؤشر إيجابي، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك ومعدل التضخم. فقد ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك من 115.54% مع نهاية عام 2019 ليصل إلى رقم قياسي 6,149.46% في نهاية شهر كانون الثاني 2024 أي زيادة أكثر من 53 ضعفاً، بالمقابل الزيادات على الرواتب لا تتعدى 6 أضعاف”. وفي هذا برأي عمر “دلالة واضحة على الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، وفي المقابل وجود فجوة كبيرة جداً بين ارتفاع الأسعار والزيادة في الرواتب، وتالياً تآكل القدرة الشرائية لهذه الزيادات وفق ذلك، دون أن نضيف إليها تأثير الزيادات في الضرائب والرسوم في #موازنة 2024. وبناءً على ذلك – رغم الاستقرار النقدي – فإن كل زيادة في الرواتب، دون الأخذ في الاعتبار تغيرات مؤشر أسعار الاستهلاك ومعدل التضخم، تصبح دون أي مفاعيل إيجابية في تحسين القدرة الشرائية للموظفين”.



