زمكحل: متجهون نحو الركود التضخمي… والنتائج وخيمة! (النهار ١١ تشرين الثاني)
حرب غزة تشل القطاعات وايرادات الدولة القياسية في ت1 عززت الصمود

يراقب اللبنانيون منذ 5 أسابيع تقريبا، تطورات الحرب على غزة، والخوف من تمددها الى لبنان، مع ما سيرتبه الامر على الإستقرار السياسي والإقتصادي من أزمات وويلات.
فإلى السياحة التي بدأت معركة البقاء في الساحة بعد صيف فاق نجاحه توقعات أهل القطاع، باشرت أيضاً القطاعات الأخرى نضالها وتعزيز مقومات صمودها في الأسواق الداخلية والخارجية، ريثما ينجلي مسار حرب غزة، والحدود التي ستقف عندها، ومدى إنعكاس ذلك على حركة الأسواق عموماً.
ليس خافيا، أنه قبل إندلاع نار غزة، لم تكن القطاعات الإنتاجية مريضة ومصابة بندوب وكسور فحسب، بل في العناية الفائقة، تنتظر أعاجيب الشفاء الموعودة بها تارة من الدولة المعتلة بأمراض الإهمال واللامسؤولية، وتارة اخرى من المؤسسات الدولية المانحة، كالبنك الدولي وصندوق النقد، أو ما قد يجود به على البلاد أصدقاء وأشقاء من قروض ومعونات.
تأثر القطاعات بالتفصيل؟
رئيس الإتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين MIDEL الدكتور فؤاد زمكحل فصل لـ”النهار” ما تعانيه القطاعات الاقتصادية من تدهور زادت من حدته حرب غزة وما تشهده الحدود اللبنانية الجنوبية من اعتداءات اسرائيلية أدت الى إهمال الأراضي الزراعية خوفا من القصف.
يبدأ زمكحل بالقطاع السياحي الاكثر تأثرا حتى اليوم، وهو الذي شهد نموا لافتا في العام 2023، إذ زار لبنان أكثر من 4 ملايين سائح، فيما عادت الإستثمارات تنمو في هذا القطاع. ولكن بسحر ساحر، جمدت كل الإستثمارات في القطاع، وألغيت الحجوزات، والمؤتمرات والمناسبات، والتي كان مخططا لها مسبقا”، وذكر بأن “الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة، تشكل الحجم الأكبر من الناتج المحلي السنوي، وكنا نتمنى متابعة موسم الصيف إلى موسم أعياد نهاية السنة. فلا شك في أن موسم نهاية السنة طُعن، وسيشهد القطاع خسائر فادحة”. ولعل تقرير “أرنست أند يونغ” عن أداء الفنادق ذات فئتَي الأربعة والخمسة نجوم في منطقة الشرق الأوسط، دليل عن حجم التراجع السياحي في لبنان تحديدا، إذ كشف عن تراجع معدل إشغال الفنادق في مدينة بيروت بـ 10.4 نقاط مئوية على صعيدٍ سنوي إلى 53.6% في شهر آب 2023. أما على صعيد حركة المطار، فقد أشار التقرير الى تراجع عدد الركاب الوافدين الى لبنان خلال تشرين الأول 2023 بنسبة 15% وسجل 208 آلاف و 706 ركاب (مقابل 245 ألفاً و977 راكبا في تشرين الأول 2022)، بينما ارتفع عدد الركاب المغادرين من لبنان بنسبة 15,5% وسجل 307 آلاف و879 راكبا ( مقابل 266 ألفا و680 راكباً في تشرين الأول 2022)، اما ركاب الترانزيت، فتراجع عددهم بنسبة 48,3% وسجّل 261 راكبا. وبذلك يكون المجموع العام للركاب عبر مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت خلال الشهر العاشر من العام 2023 قد بلغ 516 ألفا و846 راكبا (بزيادة نسبتها 0,72% عن الشهر ذاته من العام 2022).
وكما القطاع السياحي، كذلك القطاع الصناعي الذي سجل تراجعا بنسبة ناهزت الـ 35%، في حين يؤكد زمكحل أن “كل الإستثمارات تجمدت خوفا من عدم امكان إستيراد المواد الأولية، وتصدير البضائع، كاشفا أن “القطاع شهد أيضا إرتفاعا باهظا في كل تكاليف التصنيع والإنتاج، جراء إرتفاع أقساط التأمين، لأكثر من 10 أضعاف، من جهة وأيضا زيادة أسعار المواد الأولية من جهة أخرى. أما إذا ازدادت أسعار النفط والغاز ومشتقاته، فستكون ضربة قاضية للقطاع”. وإذ أوضح أنه “سيتم تسليم طلبات ما قبل إندلاع الحرب الصناعية، سيتم تسليمها في القريب العاجل”، كشف زمكحل أن “أكثرية الطلبات الكبيرة ألغبت خوفا من عدم إستطاعة تصدير البضائع إلى الخارج، أو حتى تصنيعها جراء مخاطر الحرب الراهنة”.
أما في القطاع العقاري والإعماري، فيشير زمكحل الى ارتفاع جمود القطاع الذي يشغل أكثر من 12 قطاعا آخر، إذ من جهة، كان الشلل سائدا، جراء شلل كل الدوائر العقارية، وكل المعاملات الراهنة. لكن اليوم، ومن جهة أخرى، فقد توقفت كل عمليات الشراء والبيع، خوفاً من توسع الحرب في المنطقة وخصوصا في لبنان.
في المقابل، يلاحظ معنيون في القطاع العقاري، هجمة شرسة على عرض الشقق والعقارات بغية بيعها أو عرضها للإيجار منذ بدء الحرب على غزة، فيما اعتبر آخرون أن هذه الظاهرة لا تبشر بالخير، إذ أن الكثير من اصحاب هذه العقارات قرروا تصفية أملاكهم والهجرة من البلاد لانسداد أفق الحل. وإذا كان هذه الظاهرة تبدو لافتة في مناطق التوتر، بيد أن عدواها انسحبت على مناطق أخرى تعتبر آمنة. وهذا ما يفسر انعدام الامل لدى اللبنانيين الذين باتوا يفتشون على بلاد تمنحهم الاستقرار والامان.
بالنسبة للقطاعين التجاري والزراعي، يشير زمكحل الى أن بعض التجار يخزنون المواد خوفا من إنقطاعها أو تحسبا لإرتفاع الأسعار. فهنا تبني “ستوكات” جديدة، وتنمو أشغال المهربين، لتخزين البضائع، آملين في بناء سوق سوداء وموازية جديدة. أما القطاع الزراعي، فيلاحظ زمكحل أن الأراضي المنتجة، تقع في أماكن خطرة، ومرتبطة أيضا بأشباح الحرب الحالية. فتباطؤ التصدير والإستيراد وتكاليف الإنتاج، وتراجع الطلب، يطعن أيضا بهذا القطاع المنتج”.
على الصعيد المالي والنقدي، ، يلاحظ زمكحل أنه “بعد 4 أعوام، لا نية لإعادة هيكلة هذا القطاع، وإعادة إحيائه للمطالب الإقتصادية، في ظل هذه الحرب الباردة، إذ دفنت في الدهاليز كل مشاريع إعادة تنظيم هذا القطاع، وإنتست الودائع والخسائر، وعدنا أشواطا إلى الوراء”.
ماليا، عززت ايرادات الدولة القياسية في الاشهر الماضية وخصوصا الشهر الماضي مقومات الصمود على الرغم من التوقعات بتراجعها في الفترة المقبلة نحو 25% على خلفية الحرب على غزة وتراجع الاستيراد. إذ علمت “النهار” أن الايرادات ناهزت الـ 32 ألف مليار ليرة خلال شهر تشرين الاول لوحده، أكثر من نصفها تم تحصيلها نقدا، اضافة الى أكثر من 25 مليون دولار (فريش)، اي ما يعادل أكثر من 375 مليون دولار، وهو رقم قياسي لايرادات الدولة وفق ما تؤكد مصادر متابعة. وتعزو المصادر عينها السبب الى اقبال المكلفين في هذا الشهر على تسديد الضريبة على القيمة المضافة، اضافة الى الضريبة الجمركية. أما في ما يتعلق بأسباب الاستقرار النقدي في هذه الفترة على الرغم من الظروف المعاكسة، فتعزوه المصادر الى ما جمعته الدولة من السوق نقدا، اي ما يوازي ثلث الكتلة النقدية. إذ سحبت في شهر تشرين الاول الماضي من السوق لحسابها كاش نحو 17 ألف مليار ليرة كاش من أصل نحو 56 ألف مليار ليرة قيمة النقد بالتداول، وتؤكد المعلومات أن مصرف لبنان اشترى لمصلحة الدولة دولار من السوق بقيمة 17 ألف مليار ليرة، قسم منه سيخصص لتسديد رواتب القطاع العام.
في المحصلة، من الواضح برأي زمكحل أن كل القطاعات الإنتاجية تراجعت وجمدت، وسنشعر أكثر يوما بعد يوم، بتداعيات هذه الحرب الكارثية. إذ كنا نتوقع نموا 2% في العام 2023، لكن الآن دمرت كل آمالنا، وتراجعنا أشواطا إلى الوراء. إن إقتصاد الحرب، سيزيد التضخم الذي يمكن أن يصبح مفرطا Hyperinflation))، فتزيد كلفة العيش، كما كلفة الإنتاج والتصدير في الوقت عينه”. واعتبر أن إقتصاد الحرب، سينمي الركود الإقتصادي والإنكماش، وتراجع الإستثمارات. وهذا يعني أننا متجهون نحو ما يسمى بالـ Stagflation (الركود التضخمي)، والذي سيكون كارثيا على لبنان وإقتصاده وشعبه. فالتداعيات بعد شهر من إندلاع هذه الحرب، مخيفة، لكن إذا إستمرت وطالت فستكون النتائج وخيمة”.



