أخبار لبنانابرز الاخبار

القرارات الجريئة تتطلب شجاعة: هل تفعلها حماس؟

اثناء الحصار الاسرائيلي لبيروت في صيف عام ١٩٨٢ للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، طلب السفير لاتحاد السوفياتي من الراحل ياسر عرفات “ابو عمار” مغادرة بيروت وان الحصار الطويل سيدمر العاصمة اللبنانية ولن ينفع القضية الفلسطينية لانه لا يوجد في تلك اللحظة الدولية الحرجة من يقف خلف منظمة التحرير الفلسطينية عربياً ودولياً.

‎لا ادري اذا كان التاريخ يعيد نفسه اليوم بصورة ونمطية مختلفتان عن ما جرى عام ١٩٨٢ لان المشهدية ذاتها وان اختلف اللاعبون. فبغض النظر عن الاختلاف في البيئة الحاضنة لمنظمة التحرير الفلسطيني والتي استضافتها بيروت منذ عام ١٩٦٩ الى ١٩٨٢ بالمقارنة بعلاقة حماس بغزة والتي تُعتبر وليدت تلك الارض واحد اسباب وجودها.

‎للقضية الفلسطينية باع طويل في المقاومة والصمود. والفلسطينيون انفسهم اتقنوا تلك اللعبة بكل تفاصيلها وتعقيداتها. وللفلسطينييون خبرة طويلة في الحشد والدعم السياسي والعسكري والتعاطف الانساني. وهو نقيض ما نراه اليوم، فالقضية الفلسطينية في مهب الريح ليس بسبب اسرائيل ولا الدول المؤثرة اقليمياً ودولياً فحسب بل ايضاً بسبب اجندات الفصائل والمجموعات الفلسطينية التي حملت راية تحرير فلسطين من اجل مصالح ضيقة.

‎في الماضي حاربت منظمة التحرير الفلسطينية اسرائيل والعالم لاجل العودة الى فلسطين. وصفوا بالارهابيين والمخربين. قاتلوا وقتلوا. ولكنهم في لحظة تاريخية دقيقة وفي تغيير لموازين القوة في المنطقة وخصوصاً بعد ان وقعت مصر اتفاق كامب دايفد مع اسرائيل، عدلت منظمة التحرير من استراتجيتها وبدأت بالمفاوضات. اهمية تلك اللحظة في تغيير نمطية الدفاع عن الحق، من العنف الى المفاوضات تجلت في ادراك ابو عمار ان العنف لن يؤدي الى نتيجة سوى الخراب والدمار والقتل وضياع القضية. وان لغة العالم الجديد هي لغة الحوار والتلاقي لا العنف في حل قضايا اساسية وخصوصاً القضية الفلسطينية. حتى حصل ما حصل من اتفاق مدريد واوسلو والعودة الى فلسطين في صفة الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. وهذا بحد ذاته انتصار للقضية بكل تعقيداتها رغم قوة اسرائيل وعنجهيتها.

‎الهدف من هذا السرد التاريخي هو اقتناع “اب” المقاومة والقضية الفلسطينية ان العنف ليس الحل خصوصاً اذا غاب الدعم العسكري والمادي والسياسي. اما اليوم الوضع مختلف ومعقد اكثر مع اعادة حماس القضية الفلسطينية الى المربع الاول وهو عسكرة السلام والقضية والحوار من اجل مصالحها السياسية او مصالح بعض دول المنطقة على حساب حل الدولتين. والاخطر من ذلك اعطاء الصراع طابع ديني بدل طابع قومي وهذا ما اضعف اكثر واكثر حماس وقضيتها وفلسطين عالمياً.

‎اليوم اذا نظرنا الى الاستثمار السياسي لهجوم ٧ اكتوبر على غلاف غزة يتبين للمراقب ان غزة وشعبها هما الخاسر الاكبر وان حماس في مهب الريح. فلا وحدة الساحات والشعارات الرنانة من محور المقاومة نفعت او دعمت حماس ولا فيلق القدس ولا حتى روسيا او الصين. فوحدت الساحات على ما يبدو كانت موجهة الى الداخل العربي وخصوصا سوريا و اليمن. علماً انه لخوض الحروب يجب ان يكون هناك دعم مادي وعسكري وسياسي ضخم. وعلى القوة الفاعلة التعلم من الدعم الاميركي لاسرائيل من خلال ارسال حاملات الطائرات والاسلحة إضافة الى الدعم السياسي الا مشروط من العديد من الدول.

‎في صورة شديدة القسوة والحزن ولكن واقعية يتبين لنا ان قيادات حماس السياسية في الخارج بالتحديد قطر وتركيا ولبنان يتمتعون بحياة كريمة هناك. والمقاتلون في الانفاق تحت الارض يحتمون من القصف الاسرائيلي وللاسف المدنيون في العراء لا يوجد من يحميهم ويدافع عنهم تُدمر بيوتهم ويهجرون. فالسؤال الاكبر هنا، ومع غياب الدعم من حلفائها الى حد التخلي عنها ومع الحصار والتدمير الاسرائيلي العنيف، هل تتخذ حماس القرار الاصعب في تاريخها مثلما فعل ابو عمار وتفرج عن الاسرى وربما تغادر قطاع غزة؟

‎اخذ القرارات الصعبة يتطلب جرأة وواقعية. وتغيير الاهداف بسبب تغيير الاسباب يحتاج الى شجاعة وعقلانية. بالامس القريب، قرر زعيم الارمن في قره باغ المتنازع عليها مع ارمينيا الاستسلام وانهاء القتال التاريخي والوجودي مع اذربيجان والنزوح الى ارمينيا بسبب غياب الدعم السياسي والعسكري ولتجنيب المدنيين مجزرة لا مفر منها. قرار الانفصاليين كان صعباً ولكن في الحسابات الربح والخسارة كان عقلانياً.

‎ما يحدث الان في غزة يجب ان يُنظر اليه من قادة حماس في عقلانية وشجاعة وليس التهور الى حد الجنون لان الفرق بين الاستسلام والعقلانية شعرة. ومع تشبث حماس في القتال العبثي دون دعم من اي احد ومع احتدام القصف الاسرائيلي،حيث يُقدر ان عدد الوحدات السكنية المدمرة يفوق الثلاثون الف وهذا يعني بالمعدل عام ان حوالي ٢٠٠ الف شخص دون مأوى ، ومع ازدياد تدمير المنازل سيرتفع عدد لتصبح غزة غير قادرة على استيعاب الخيم خصوصا مع قدوم فصل الشتاء والذي سيحتم تهجيرهم من غزة الى اماكن اوسع من المحتمل خارجها. الا تخدم هذه النمطية مشروع الترانسفير الاسرائيلي؟ اهكذا تكون المقاومة دون خطة واضحة او افق؟

‎اليوم ومع التطور الحاصل مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التي تتقنه جيداً اسرائيل والدعم المطلق التي تحصل عليه اصبح الخطاب الفلسطيني الى حدٍ ما قديم ولا يتماشى مع لغة العالم الحديثة وحجم القضية. على الفلسطينيين تجديد خطابهم وقياداتهم وتغيير نمطية وطريقة تمثيلهم للقضية لان الهوة بين قضيتهم المحقة والعالم تتسع مما يُنذر باختفائها. على الفلسطينيين اعادة التموضع حول منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية. المنظمة بحاجة الى تطوير خطابها وتطويرها وتفعيلها وتغيير نمطية عملها وتوسيعها لتشمل معظم الاطراف علها تتماشى مع حجم المتغيرات الدولية.

‎في النهاية اثناء حصار بيروت عام ١٩٨٢ تباهت منظمة التحرير بالصمود البطولي امام سفير لاتحاد السوفياتي واخبروه انهم سيقاتلون حتى الرمق الاخير. عندها اخبرهم السفير انه اثناء حصار ستالينغراد كانوا الروس ينتظرون قدوم الجيش الاحمر لنجدتهم. حينها فهم ابو عمار ومن معه الرسالة وغادر بيروت. فهل من يتعظ من قيادات حماس في الخارج او في انفاق غزة لانه على ما يبدو لا يوجد جيش احمر لنجدتهم؟

 

بواسطة
الدكتور هاني عانوتي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى