المجلس الاقتصادي الاجتماعي ليس… بدلاً عن ضائع (النهار 9 تشرين الثاني)

كتبت سابين عويس في ” النهار”:
في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي استضافه أمس في لقاء حواري حول الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والأزمات الحالية، تحدث رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن الاعمدة الثمانية التي ترتكز عليها اولويات عمل حكومته، في الامن والاقتصاد والمال والشأن الاجتماعي والخدمات والبنى التحتية ومحاربة الفساد والقضاء وإصلاحه والقوانين، مجدداً تعهده اجراء الانتخابات النيابية في موعدها، فضلاً عن الحرص على أفضل العلاقات مع المملكة العربية السعودية.
لم يتطرق رئيس الحكومة في كلمته إلى التحديات السياسية والدستورية التي تواجه حكومته المعلقة المصير على أزمتين حادتين لم تجدا بعد سبيلاً او افقاً لحل، وهما ناجمتان عن اصرار “حزب الله” على تنحي القاضي طارق البيطار، ومنع استقالة الوزير جورج قرداحي قبل البحث في اي انعقاد لمجلس الوزراء. وقد يكون ميقاتي تفادى التطرق إلى هاتين الازمتين المؤثرتين في شكل مباشر وواضح على عمل الحكومة، حتى لو لم يمثلا الجوهر الحقيقي للتعطيل الكامن في مطرح آخر، ربما لأنه يتوجه بكلامه إلى مجتمع اقتصادي غائب أساساً عن اي حضور على ساحة التعاطي مع الأزمات المتفاقمة.
في شكل الكلام وجوهره، مؤشر واضح إلى عدم وجود اي توجه لدى سيد السرايا لمغادرتها او استقالة حكومته، بعدما وُلدت بـ”شق النفس”، وبعد اشهر طويلة من الفراغ على مستوى الرئاسة الثالثة. وعلى وقع بلوغ الأزمة مع دول الخليج ذروتها مع رفع الحزب سقف المواجهة إلى الأعلى، ليس في الأفق ما يشي إلى ان الحكومة التي دخلت منذ أزمة البيطار الموت السريري على مستوى القرار، قادرة على الخروج من كبوتها قريباً، رغم جرعات الدعم التي تلقاها رئيسها بعد قمة غلاسكو، او حرص دول القرار على منع سقوطها بالكامل تحت السطوة الإيرانية. وهذا يعني بالكلام المبسط ان مرحلة تصريف الاعمال قد تطول، سيما وان رئيس الحكومة مدرك لعجز الوزارات عن القيام بأي اعمال او مبادرة تحت وطأة الشلل الناجم عن تعطل الادارة بفعل غياب الموظفين، او تعطل انجاز المعاملات تحت وطأة النقص الفادح في ابسط ظروف مناخ العمل الطبيعي، ان على مستوى خدمات البنى التحتية او القرطاسية ولوازم العمل. حتى مقومات النظافة غابت عن الادارة واستعيض عنها بمبادرات تنظيف فردية!
علام يعول ميقاتي وما السقف الذي وضعه لنفسه أولاً ولحكومته ثانياً؟
انطلاقاً من إدراك الرجل للواقع المهترئ للإدارة من جهة، وللالغام الموضوعة في طريق انعقاد جلسات حكومية، يركز ميقاتي على تفعيل ورش العمل القائمة على مستوى الوزارات لإتمام الاعمال المطلوبة من كل وزارة. وفي نظره، لا جدوى اليوم من انعقاد جلسات حكومية إذا لم يكن على طاولة مجلس الوزراء قرارات اجرائية من شأنها ان تغير مسار الاوضاع.
يتدارك ميقاتي الألغام بالالتفاف حولها وعدم السير في حقلها. يعزز عمل اللجان، يطلق المفاوضات التمهيدية مع صندوق النقد الدولي، يشرف على إعداد مشروع موازنة السنة المقبلة، يزيل الألغام من طريق توحيد الارقام المالية التي سيتم التفاوض على اساسها مع صندوق النقد. يشتري الوقت بورشة عمل تملأ الفراغ السياسي القاتل، بحيث تكون حكومته جاهزة عند سحب صواعق التفجير من وجهها. يشارك الحزب هذا التوجه من خلال مشاركة ممثليه في الحكرمة بهذه الورش، ولا سيما وزير العمل الذي يتابع ملف تصحيح الأجور.
على المستوى السياسي، لن يقبل ميقاتي بما هو اقل من استقالة وزير الاعلام التي يعتبرها مدخلاً لأي حل. وهذا السقف سمعه في لقاءاته الخارجية، وأخيراً العربية عبر ممثل الجامعة العربية حسام زكي، باعتبار ان هذا الشرط هو المدخل لفتح اي حوار ينادي به رئيس الجمهورية ووزير خارجيته مع المملكة العربية السعودية.
الفصل واضح لدى ميقاتي بين الأزمة الدبلوماسية التي اثارها قرداحي مع دول الخليج، وارتدادها على عمل الحكومة داخلياً، وبين الأزمة ذات البعد القضائي الناجمة عن مطلب حزب الله تنحية القاضي بيطار. فحل أزمة قرداحي ستمهد الطريق نحو تسوية أزمة البيطار عبر نقل النزاع إلى القضاء وسحبه عن طاولة مجلس الوزراء انطلاقاً من العمل بمبدأ فصل السلطات.
هل الواقعية التي يتعامل فيها ميقاتي مع الأزمات المفتوحة في وجه حكومته كفيلة بتذليل العقبات وتدوير الزوايا في انتظار أيام أفضل؟ ليس بالضرورة، ولكن الاكيد ان تمسك الرجل بموقعه وادارته للأزمات على قاعدة فن الممكن، وشراء الوقت من خارج التعطيل، أمور تكسبه بالنقاط في انتظار الاستحقاقات الكبرى التي ترتسم معالمها بغموض مقلق على كل المستويات!



