هيئة التحقيق الخاصة نص استثنائي (اللواء ٣١ آب)

يميز القانون بين نوعين من القوانين: قوانين عادية وقوانين استثنائية.
القانون العادي هو الذي يكون معناه واضحا، وصياغته مبسطة، ومفرداته لا خلاف عليها، وساري التطبيق بدون جهد يذكر على الحالات التي يرعاها وهي عديدة، بحيث لا نجد موجبا للإجتهاد تطبيقا للقاعدة الكلية القائلة لا اجتهاد في معرض النص.
وتنحصر وظيفة القائم بتفسير النص القانوني العادي بالإستدلال على معنى النص فقط وليس على البحث عن حلول اكثر عدالة.
لهذا تنقسم طرق تفسير النص العادي الى طريقين: داخلي وخارجي.
التفسير بالطرق الداخلية هو البحث عن مجموع الوسائل التي يعتمدها القائم بالتفسير لتحليل القاعدة القانونية تحليلا علميا بهدف الوصول الى المعنى الحقيقي للنص وذلك من خلال عدد من الوسائل اهمها: القياس او الإستنتاج من باب اولى او الإستنتاج من مفهوم المخالفة.
اما طرق التفسير الخارجية فأبرزها اللجوء الى مجموعة من الوسائل والوثائق من خارج النص القانوني ذاته للوقوف على الإرادة الحقيقة للشارع. او بمعنى آخر لمعرفة الحكمة من وراء التشريع موضوع التفسير وكذلك البحث عن المصادر والسوابق اي الرجوع الى المصادر التي استقى منها الشارع احكامه، وأخيرا الأعمال التحضيرية اي مجموعة الوثائق والمستندات التي صاحبت نشوء النص التشريعي المراد تفسيره.
اما القانون الإستثنائي (مثل قانون تبييض الأموال «رقم44» لا سيما ما ورد فيه عن هيئة التحقيق الخاصة)، وكما تدل التسمية وضع ليطبق على حالات خاصة لا تشبه حالات اخرى معروفة ولهذا نقول ان تفسير القانون الإستثنائي يجب ان يكون حصريا ولا يجوز إعتماد القياس او مفهوم الإنصاف او الوقوف على حسن او سوء نية الفرقاء.
ان هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان هي هيئة مستقلة في ممارسة أعمالها وهي ذات طابع قضائي وتتمتع بالشخصية المعنوية ولا تخضع في ممارسة اعمالها لسلطة المصرف. وعليه فإن مهمتها هي التحقيق في عمليات تبييض الأموال والسهر على التقيد بأصول الإجراءات المنصوص عنها في هذا القانون.
إن هذه الهيئة ولو كان لها الطابع القضائي الا انها ليست محكمة ولا تشكل جزءًا من النظام القانوني ومهمتها هي التحقق من جرائم تبييض اموال، وتقدير مدى جدية الأدلة والقرائن على ارتكاب هذه الجرائم.
وهكذا يبدو واضحا ان هيئة التحقيق الخاصة هي هيئة تحقيقية اي انها جهاز اجرائي يمكن اعتباره مكملا لعمل القضاء بسبب نوع التحقيقات التي تجريها وهي تحقيقات ذات طابع مالي صرف بحيث انه من الممكن ان تسمى هذه الهيئة «ضابطة عدلية مالية» تابعة للنيابة العامة التمييزية فقط لأنه وبحسب النص فإن قراراتها توضع بتصرف هذه النيابة وحدها لإجراء المقتضى اللازم من تحقيق او حفظ بحسب مقتضى الحال.
وبسبب هذا الإرتباط فإن النيابة العامة التمييزية اذا ما وجدت نقصاً او غموضاً في التحقيقات التي تكون الهيئة قد قامت بها، تتولى هي استكمال هذا النقص بما في ذلك دعوة اعضاء الهيئة لضبط اقوالهم واستيضاحهم عما ورد في قرارهم لأن الولاية الأساسية في موضوع تبييض الأموال والتحقيقات التابعة له هي للنيابة العامة التمييزية قبل غيرها.
واكثر من ذلك فإن تأخر النيابة العامة التمييزية في البدء بالتحقيق بما احيل اليها من هيئة التحقيق الخاصة قد يؤدي الى سقوط قرار الهيئة بحجز أموال المشتبه بهم وتذهب كل الفائدة من التحقيق الذي يكون قد اجري ذلك أن الحجز على اموال المشتبه بهم يبقى قائما لغاية صدور القرار النهائي بالإدانة او بالحفظ.
* مدعي عام التمييز سابقاً



