لبنان دائرة انتخابية واحدة ولوائح مكتظة وجرّارة (اللواء ٩ تشرين الأول)

للمهام الصعبة، يكلّف النائب المقرّب، الخلّ الوفيّ، ليتولى طرح المشاريع والسيناريوهات الصادمة والمثيرة للجدل، ومنها مؤخراً اقتراح مشروع قانون يقضي باعتماد لبنان دائرة إنتخابية واحدة على أساس النسبية الكاملة تشمل جميع الأراضي اللبنانية.
بغرض الوقوف على حقيقة ما ورد في هذا القانون الملغوم، نسلّط الأضواء على ما يحمله بين طياته من أحكام غير مألوفة وأبعاد تدعو للارتياب، (مع التضرع ألا يصار أيضاً الى إدراجه وتصنيفه بعد الإنجيل والقرآن):
١- القانون يلحظ وضع صورة مع اسم المرشح؛ سيتفاجأ الناس من طول اللوائح المتنافسة الجرارة: ١٣٤ مرشحاً × ٢ (سنتم على الأقل) = ٢٦٨ سنتيمترا أي حوالي ثلاثة أمتار.
قد يسخر الجمهور من امتداد هذه الورقة العملاقة المكتظة بعدد هائل من أسماء مرشحين، يجهلون أصلهم من فصلهم وقد تم جلبهم من كل «وادي عصا» من قبل أوليائهم السرمديين.
٢- اللوائح ستكون مقفلة أي منزلة من قبل الحاكمين بأمر الله، ولن يكون للمقترع حرية الرأي أو المسّ بأي إسم أو حرف فيها، بل عليه اعتماد اللائحة «زي ما هي بأمها وأبيها»؛ وسيجد نفسه ضائعا وحائرا أمام قائمة جرارة يجهل كيفية التعامل مع عديدها وطولها وطيّها ولفّها بشكل «رولو كالورق الصحي».
هذه اللفة الورقية ستكون أطول لائحة انتخابات على الكرة الأرضية منذ تاريخ البشرية، وستدخل موسوعة غينيس كما حصل سابقا لأكبر صحني حمص وتبولة.
٣- ما يخرج عن المألوف هو إعتماد طريقة الترتيب المسبق لتحديد الفائزين وبالأخص تخويل الزعماء ورؤساء الأحزاب وحدهم الصلاحية المطلقة لتصنيف أنفسهم على رؤوس اللوائح، وأيضاً لترتيب المرشحين التابعين بالتوالي من الأعلى إلى الأسفل؛ هذا ما يسمح لأولئك المتسلّطين تكريس تحكّمهم الكامل في توزيع فرص الفوز بغية الحصول على أعلى «سكور» من الأصوات.
٤- أمام طوفان وازدحام المرشحين ومعظمهم من أصحاب الطرابيش الفارغة، وحيث ستغصّ بهم اللوائح سيعمد رؤساؤها إلى تصنيفهم ضمن ثلاث فئات وفقا لمقتضيات مصالحهم ونفوذهم:
فئة درجة بريمو: هم في قمة المحظوظين المختارين الذين سيتم ادراج أسمائهم في الصفوف الأعلى في اللائحة بكونهم من الثوابت القدامى والمحازبين الأقحاح؛ أغلبيتهم من الأثرياء وأصحاب الملاءة والمموّلين الأساسيين للوائح والجيوب النهمة. يعتبر هؤلاء من المرشحين «الفافوري» ودرجة نجاحهم مرتفعة.
فئة درجة سكوندو: هم أنصاف محظوظين ومن النبلاء الجدد والأغنياء حديثي النعمة المعروفين بالسخاء والكرم؛ هم من طينة الوصوليين الذين يدورون في فلك سادتهم وسيتم ادراجهم في وسط القائمة. أملهم بالنجاح مترنّح ونيابتهم في مهب الريح ومالهم مبدّد سدى بلا طائل.
فئة درجة تارسو: هؤلاء هم تكملة عدد من المستزلمين المتزلّفين ومن المهمّشين المغمورين وغير المعروف «قرعة بيّون منين»؛ ستزجّ أسماؤهم عشوائيا في ذيل اللائحة وأملهم بالنجاح منعدم كحظ عزرائيل بالجنة.
٥- الواضح إن المشروع المقترح المفخخ يعطي رفاهية تصدر اللائحة لمن يدفع أكثر؛ لذلك سيتفاقم التطاحن ويبلغ احتدام المزادات ذروته بين المرشحين المترفين «المبحبحين» بغية التسابق للتمركز في المراتب العليا.
ومن المؤكد أنه في حال إعتماد هذا القانون سنكون أمام نظام زبائني عددي جديد، وسوف تكون النتائج معروفة سلفا وكارثية بالنسبة لبعض المكوّنات ولفئات معيّنة من اللبنانيين.
والمؤسف ألا يكون مكان للأشخاص الأكفّاء والأقدر على تمثيل مناطقهم.
وأخيرا بدأ الناس يشعرون بالأمل بأن لبنان أخذ يسلك طريق العودة إلى زمن العز والكرامة؛ المطلوب الاحتكام إلى العقل والوعي لا إلى الغرائز والعصبيات العمياء، وإلّا الزلزال على الأبواب.
وللسواد الأعظم: آن الأوان أن تفيقوا من غفلتكم وتتحرروا من قيد المتسلّطين وتضعوا حدّا للاستئثار برقابكم وتتخلصوا من رواسب عصر «المكاسب والمناصب». كفى تصفيقا وغباء وشعارات فارغة.
إن الانتخابات النيابية قريبة والاستحقاق في أوائل سنة ٢٠٢٦ والاستعدادات جارية ونتائجها مفصلية.
حبذا أن تسمعوا وتعوا.



