أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

لبنان/سوريا… من دون تنمُّر (نداء الوطن ٣ تشرين الثاني)

تناول كثيرون في لبنان تداعيات قرار البنك المركزي السوري، لمعالجة انكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني، من خلال إلزامها بتسوية أوضاعها وأخذ مؤونات على المبالغ العالقة في البنوك اللبنانية، واعتبارها خسائر تستوجب التغطية بالكامل. ويبلغ مجموع هذه المبالغ حوالى 1.6 مليار دولار، من أصل 4,9 مليارات دولار، مجموع الودائع في المصارف السورية.

لم يُظهر هذا القرار مدى انكشاف المصارف السورية على المصارف اللبنانية بقدر ما كشف هزالة القطاع المصرفي السوري مقارنة مع القطاع المصرفي اللبناني، وأعاد تسليط الأضواء على الاقتصاد السوري برمته، مقارنة مع الاقتصاد اللبناني.

هذه المقارنة لا يمكن أن تُساق من باب التبجّح أو حتى التنمُّر، بل من أجل إعادة تصويب البوصلة التي اختلت في الفترة الأخيرة، بسبب ما اعتبره البعض هجمة على الاستثمار في سوريا، مقابل بقاء لبنان في عزلة عن كل أنواع الاستثمارات الخارجية.

ما هو مؤكد أن النظام السوري الحالي يقوم بخطوات جبارة من أجل إعادة البلاد إلى خارطة جذب الاستثمارات بهدف تحسين الاقتصاد الذي انتقل من اقتصاد موجّه إلى اقتصاد ليبرالي منفتح. ونجح هذا النظام حتى اليوم، في تحقيق خطوات سريعة في اتجاه تغيير صورة سوريا، ولكنه لا يزال في بداية طريق طويل، لا يمكن الجزم بمساره على المدى البعيد. لكن، بلا شك، يعتبر التعافي السوري، فرصة للبنان للعب دور محوري في كل الورش المفتوحة على الاستثمارات.

ورغم أن لبنان لا يزال في مرحلة انتظار عقيم، إلا أنه ما زال يتمتع بنقاط قوة، وهي كثيرة، ليكون منصة متقدمة يمكن أن تشكّل معبرًا لتطوير الاقتصاد السوري في السنوات المقبلة. ولا يزال لبنان متقدمًا، من حيث معظم المؤشرات والمعطيات على الاقتصاد السوري، حتى قبل إنجاز خطة التعافي، والخروج من الانهيار المالي والاقتصادي المتواصل منذ العام 2019.

وللمفارقة، كشف قرار المركزي السوري أن حجم الودائع في المصارف السورية (4.9 مليارات دولار) تكاد تكون أقل من ودائع الفريش دولار التي نجح القطاع المصرف اللبناني في جمعها بعد الانهيار، ورغم عدم عودة الثقة بالقطاع. وللتذكير وصل حجم الودائع الدولارية في المصارف اللبنانية قبل الانهيار إلى 120 مليار دولار.

حالياً، يبلغ حجم الاقتصاد السوري (GDP) حوالى 20 مليار دولار، مقارنة مع 37 مليار دولار للبنان، رغم أن عدد سكان سوريا حوالى 25 مليونًا، مقارنة مع 5 ملايين لبناني. وهذا يجعل نصيب الفرد السوري من الدخل القومي نحو847 دولارًا، مقارنة مع 4000 دولار في لبنان. وحتى النمو، ورغم بقاء لبنان على لائحة الدول المتعثرة، فإن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن النمو سيبلغ حوالى 4.7 % في العام 2025 مقابل 1 % في سوريا. وهذا يعني أن الـ GDP في لبنان قد يصل إلى 43 مليار دولار في نهاية 2025 مقارنة مع 20 مليار دولار في سوريا. ولا ننسى أننا نملك احتياطيًا من الذهب تصل قيمته الى حوالى 38 مليار دولار، مقابل 3.5 مليارات دولار قيمة احتياطي الذهب في سوريا.

في الخلاصة، لا تزال المسافة شاسعة بين ديناميكية الاقتصادين اللبناني والسوري لمصلحة لبنان. وإذا أضفنا أهمية العنصر البشري اللبناني، وقابلية المؤسسات للعولمة، ومستويات التعليم، يتبين أن لبنان لا يزال مؤهلًا ليكون الممر الأفضل لإعادة إعمار سوريا في المرحلة المقبلة، ولقسم كبير من الاستثمارات التي يمكن أن تستهدف سوريا. العائق الوحيد أمام هذه الفرصة يتمثل بتأجيل معالجة الانهيار المالي، وإعادة تطبيع الاقتصاد. ويبدو أن الخروج من الانهيار المالي لن يتحقق قبل استعادة الدولة سيادتها الداخلية بالكامل. على أمل ألّا يطول الانتظار، ويخسر البلد الفرصة التي مُنحت له على طبق من ذهب.

بواسطة
أنطوان فرح
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى