من دون شفافية.. أي حل يتحوّل إلى باب للنهب (الجمهورية ٣١ تشرين الأول)

تواصل الحكومة مساعيها لإيجاد حلول مناسبة، مع إصرار على عدم مصارحة الناس واعتماد الشفافية وفتح دفاتر المصارف كل على حدة، ومقارنتها بأرقام المصرف المركزي، ويبدو أنّنا لم نتعلّم أنّ غياب الشفافية في الأساس أوصلنا إلى التعتير.
إنّ أزمة الثقة في لبنان هي في غياب الشفافية التي تُحوِّل أي حل إلى باب للنهب.
فالفساد لا يرتبط بأسماء محدّدة، ولا ينتهي بتغيير الوجوه، بل يعيش ويزدهر في بيئة غامضة، حيث الشعب لا يعرف كيف تُدار الأموال العامة، ولا أين تذهب، ولا مَن يستفيد منها.
إنّه نظام يقوم على حجب المعلومات، لا على سرقة الأموال فحسب. فالظلمة هي الحاضنة الطبيعية للفساد، أمّا الوضوح فهو النور الذي يُبدِّدها.
ما المقصود بالشفافية المطلقة؟
نعود ونُكرِّر لما ردّدناه مراراً، الشفافية المطلقة هي نظام إدارة مفتوح بالكامل، يُتيح لكل مواطن أن يطّلع، في أي وقت، على كل ما يتعلق بمالية الدولة:
• الموازنات العامة بكل بنودها وتفاصيلها،
• العقود والمناقصات والمشتريات الحكومية،
• التحويلات المالية وأوجه الإنفاق،
• الإيرادات والمداخيل من كل قطاع… إلخ
ويجب أن تكون هذه المعلومات منشورة بشكل علني ومُحدَّث على الإنترنت، على منصة رسمية، تُمكّن أي شخص من تتبُّع حركة المال العام من المصدر إلى المصبّ. هذا هو جوهر البيانات المفتوحة: أي أن تكون الدولة دفتراً مكشوفاً أمام الناس، لا صندوقاً مغلقاً بيَد القِلّة.
بهذه الشفافية وحدها يمكن أن تنشأ ثقة جديدة، لا بالأشخاص بل بالمنظومة نفسها. فحين تكون المعلومات متاحة للجميع، لا يستطيع أحد أن يختبئ خلف الشعارات أو أن يُبرِّر العجز أو الهدر.
الرقابة حينها لا تعود حكراً على أجهزة الدولة، بل تُصبح مسؤولية المجتمع بأكمله.
للوصول إلى الشفافية، يجب العمل على الانتخابات منذ اليوم: إسأل مرشحك في الانتخابات المقبلة هذه الأسئلة الأربعة:
1- هل تتعهّد في برنامجك بالعمل على إقرار قانون للشفافية المطلقة، يفرض نشر كل ميزانيات القطاع العام على الإنترنت؟
2- هل تتعهّد بمراقبة التطبيق العملي لمبادئ الشفافية المطلقة خلال ولايتك؟
3- هل ستعمل بكل ما أوتيت من قوّة لفتح حسابات المصارف وكشف الأسباب الحقيقية لما حصل في جريمة النهب عام 2019، مهما طال الزمن؟
4- هل ستعمل لإصلاح القوانين ليُصبح لبنان جاذباً للإستثمارات بدل تهريب المستثمرين؟
إذا أجاب المرشح بـ»نعم» صريحة، وقبل أن يتعهّد علناً بذلك، فمصلحتك أن توصله إلى الندوة البرلمانية، وتستطيع لاحقاً محاسبته على التزامه.
الشفافية ليست مطلباً تقنياً، بل خط فاصل بين مَن يُريد بناء دولة ومَن يُريد استمرار الغموض. فمن دونها، لا ذهب ينفع، ولا قروض تنقذ، ولا وعود تُصدَّق.



