أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

شركة SAVARO وملف إنفجار مرفأ بيروت (2) (الجمهورية ١٧ تموز)

في 12 حزيران 2023، اختُتِمَت في لندن مسيرة طويلة، بدأها مكتب الإدعاء في نقابة المحامين في بيروت قبل ثلاثين شهراً، في كانون الثاني 2021، وضع خلالها المحامون العاملون بشكل تطوعي (Pro bono) طاقاتهم بخدمة ضحايا أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، في إطار دعوى مدنية أقاموها أمام محكمة العدل العليا البريطانية (High Court of Justice – London) ضدّ الشركة البريطانية SAVARO Ltd.

إختيار القضاء البريطاني لمقاضاة شركة SAVARO

من أجل التصدّي لتصفية شركة SAVARO، بهدف استحضارها أمام القضاء بصفتها أحد المسؤولين عن الإنفجار من بين عدد كبير من المسؤولين، كان يجب إقامة دعوى ضدّها. لهذه الغاية، تواصلنا بالصديق المحامي كميل أبو سليمان، الشريك في مكتب Dechert LLP في لندن، سائلينه عمّا إذا كان بإمكانه مؤازرة مكتب الادعاء، بشكل تطوعي. فقَبِل على الفور، ووضع مشكوراً طاقات مكتبه بتصرّف هذه القضية الإنسانية.

بين شباط وآب 2021، عمل مكتب الادعاء على تأسيس ملف مفصّل لتقديمه أمام القضاء البريطاني. وأول ما كان يجب فعله، هو دراسة مدى اختصاص القضاء البريطاني عملاً بقواعد تنازع الإختصاص القضائي (Conflit de juridictions)، ومن ثمّ، وفي حال ثبت هذا الإختصاص، تحديد القانون الواجب تطبيقه في الأساس عملاً بقواعد تنازع القوانين (Conflit de lois). بعد دراسات معمّقة، تأكّدنا من اختصاص القضاء البريطاني للنظر بالدعوى، وأنّه سيطبّق القانون اللبناني (وليس القانون البريطاني) على أساس النزاع، ما وضع عبء العمل على كاهل مكتب الادعاء، كون المحكمة البريطانية تكتفي بتطبيق قانونها الوطني لإصول المحاكمات، في حين أنّ أساس الملف يرتكز بشكل كامل وحصري على القانون اللبناني: أسس وشروط المسؤولية المدنية لشركة SAVARO؛ وطريقة إثبات هذه المسؤولية؛ وتحديد الأضرار اللاحقة بالضحايا وورثتهم؛ وتثبيت صفة الورثة المدّعين؛ وتخمين التعويض؛ والتمييز بين المساهمة والملكية الاقتصادية في الشركات؛ وغيرها من المسائل، التي تمّ تطبيق القانون اللبناني عليها. وقد تطلّب ذلك من المحامين اللبنانيين في مكتب الادعاء آلاف الساعات من الدراسات، والأبحاث، ووضع الإستشارات والتقارير القانونية، والترجمة إلى اللغة الإنكليزية (بفضل مترجمين متطوعين أيضاً)، والمناقشة مع المحامين البريطانيين، والإجتماعات، ومراجعة المستندات والإثباتات، والتحضير للجلسات، ومراجعة لوائح الشركة المدّعى عليها والتعليق عليها، كما والقرارات الصادرة عن المحكمة البريطانية.

إختيار الضحايا المدّعين في لندن

كان يقتضي لإقامة الدعوى، إختيار بعض الضحايا، لاستحالة تقديم دعوى بإسم الآلاف وورثتهم، إذ أنّ أعباء إعداد كل ملف لكل ضحية، في الوقت والمال، كبيرة جداً، ولأنّ نتيجة الدعوى كانت، بتاريخ تقديمها، غير محسومة، ولأنّ الهدف لم يكن الحصول على التعويض المادي، بل منع الشركة من الإفلات من العدالة. فتمّ تقديم الدعوى باسم بعض الضحايا وورثة ضحايا آخرين. أمّا الشركة المدّعى عليها، فتمثّلت بمكتب محاماة بريطاني قدّم دفاعه عنها في الأساس، وحضر الجلسات، وشارك في المحاكمة الوجاهية.

الدعوى مدنية وليست جزائية

الدعوى المقدّمة في لندن هي دعوى مدنية وليست دعوى جزائية، ما يعني أنّ الهدف من تقديمها لم يكن إنزال عقوبة جزائية بالشركة المدّعى عليها وبأصحابها، بل ترتيب مسؤوليتها المدنية وإلزامها بالتعويض عن الأضرار الجسدية والمادية والمعنوية التي لحقت بالمدّعين. وهذا يعني أيضاً أنّ القضاء البريطاني لم يقم بتحقيقات واستقصاءات، إذ أنّ المحاكمة المدنية هي «غرض الأطراف» (Le procès est la chose des parties)، وعبء الإثبات يقع على عاتقهم. بالتالي، فإنّ الدعوى في لندن اقتصرت على النطاق الذي حدّده لها أطرافها وعلى الوقائع التي أبرزوها وأثبتوها. على سبيل المثال، عندما نجحنا بإقناع القاضي البريطاني بإلزام الشركة المدّعى عليها بأن تكشف عن هوية أصحاب الحقوق الاقتصادية (UBO)، بموجب قرار صادر عنه في حزيران 2022، ولدى تمنعّ الشركة عن تنفيذ هذا القرار، لم يتمّ الكشف، واكتفت المحكمة بتغريم الشركة. فلا يجب تحميل الدعوى المدنية البريطانية أكثر من حقيقتها، ولا التوقّع منها أكثر ممّا نتج منها، علماً بأنّها أعطت الكثير، مع التأكيد أنّ مسألتي تحديد أصحاب الحقوق الاقتصادية ومجموعة الشركات لم تقفلا بتاتاً.

دامت المحاكمة من آب 2021 حتى حزيران 2023، وانقسمت إلى مرحلتين: المرحلة الأولى انتهت بالحكم الصادر في شباط 2023 والذي أقرّ مبدأ مسؤولية شركة SAVARO؛ والمرحلة الثانية انتهت بالحكم الصادر في حزيران 2023، والذي أقرّ التعويض للضحايا وحدّد مبالغ التعويضات. بصدور الحكم النهائي الثاني، انتهت المحاكمة، ولم يعد جائزاً التكلّم على «انضمام ضحايا» آخرين إليها.

الحكم النهائي الصادر في لندن

إنّ الحكم بالتعويض هو إنجاز بحدّ ذاته، كونه أول حكم قضائي نهائي حدّد هوية أحد المتورطين في انفجار المرفأ وحكم عليه بالتعويض. وهو قابل للتنفيذ في كافة بلدان العالم، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالصيغة التنفيذية (Exequatur) لكل بلد. العبرة هي في البحث عن أصول قابلة للحجز ومن ثم التنفيذ عليها، مع الإصرار على أنّ شركة SAVARO هي شركة «فعلّية» (وليست «وهميّة»)، وهي جزء من مجموعة شركات؛ أمّا قول أحدهم «إنّ مسؤولية الشركة محدّدة بقيمة رأسمالها المدفوع وهي ألف باوند إسترليني»، فهذا يخالف أبسط قواعد قانون الشركات، إذ لا علاقة بين الرأسمال المدفوع وسقف مسؤولية الشركة، خصوصاً أنّ مفهوم الرأسمال الإلزامي غير موجود في القانون الأنكلوسكسوني.

لا بدّ من الإشارة أنّ لشركة SAVARO أهمّية واضحة بالنسبة لأصحابها: فإنّهم عيّنوا محامياً في لبنان كي يمثّلها أمام القضاء اللبناني ولدى الجهات الإدارية الرسمية بعد تفريغ الحمولة في المرفأ؛ ومن ثم كلّفوا مكتب محاماة بريطاني ليمثلها خلال المحاكمة في لندن (وقد شارك بفعاليّة بالمحاكمة الوجاهيّة)؛ وتفرّغوا عن أسهمهم خلال المحاكمة، بعد محاولتهم الفاشلة بتصفيتها، إلى مواطن أوكراني يُقيم في أوكرانيا (أليس مستهجناً أن يُقدم شخص على شراء أسهم في شركة مدّعى عليها في انفجار العصر؟!)، ما يُبرز مجدداً محاولات الإفلات من المسؤولية.

التضامن بين ضحايا انفجار المرفأ وتقاسم التعويض في ما بينهم

قدّم مكتب الادعاء في نقابة المحامين في بيروت للضحايا وللبنان أول حكم قضائي نهائي، قضى بالمسؤولية المدنية لأحد الأطراف المتورطين في انفجار المرفأ. في حال قبض الضحايا وذووهم المحكوم لهم بتعويض عن أضرار معنوّية (غير طبيّة) لحقت بهم كامل هذا التعويض أو جزءاً منه، فإنّ الإنصاف والعدل يفرضان عليهم أن يتقاسموا هذا التعويض مع سائر ضحايا انفجار المرفأ غير المدّعين في هذه الدعوى. تكون عندها كل ضحية استوفت مبلغاً رمزياً من أحد المسؤولين عن مأساتها. فكما حلّت الكارثة على الجميع، من الإنصاف والعدل أن يوزَّع التعويض على الجميع.

بواسطة
البروفسور نصري أنطوان دياب
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى