لنصٍّ دستوريٍ يُسقط نيابة المنسحب (نداء الوطن ٢١ حزيران)

الكلّ بات يشعر بثقل المرحلة وأهمية الموقع الرئاسي الذي بدأ اللبنانيون يفقدونه بصفة عامة، والمسيحيون بصفة خاصة، رغم انحسار صلاحيات رئيس الجمهورية وخسارة معظمها في اتفاق الطائف.
ولكن، وعلى الرغم مما تقدّم، وعلى عتبة عهد جديد نأمله بداية للخروج من النفق المعتم، لا بدّ من التفكير بالمستقبل، ومنذ الآن، بتصويب بعض المواد الدستورية أو تعديلها أو توضيحها، من أجل حسن سير الدولة ومنعاً للوقوع في أي فخ مستقبلي.
صحيح أنّ المشترع يتعمّد بالمطلق عدم الوضوح في النصوص، ولكن الأصح أنّ بعض المواد يحتاج إلى فكفكة العقد، حتى لا تكون مطّاطة أكثر من اللزوم. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ اتفاق الطائف صيغ فوق نار حامية تحت وطأة المدافع والاشتباكات. وهناك من الحقوقيين من يعتبر أنّ المشكلة ليست في تطبيق أو عدم تطبيق الاتفاق، بل باستحالة تطبيقه بمعزل عن الوصاية التي كانت سائدة على مدى خمس عشرة سنة بحيث أنيطت المرجعية بها وحدها.
ما هي أبرز الثغرات؟ أولاً: إنّ «الطائف» لم يلحظ آلية ديموقراطية لحل الخلافات كانت الوصاية كفيلة بها. ثانياً: ثمة التباس في المادة 49 من الدستور، فهي لم تحسم هوية رئيس السلطة الاجرائية، هل هو رئيس الجمهورية أم هو رئيس مجلس الوزراء؟ فهي جاءت تحت هذا العنوان: «الفصل الرابع- السلطة الاجرائية- أولاً رئيس الجمهورية»! وتقول المادة 53: «يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء من دون أن يشارك في التصويت». من هنا يأتي السؤال طبيعياً: عندما يترأس رئيس الجمهورية الجلسة، من يكون رئيساً للسلطة الإجرائية، هو أم رئيس مجلس الوزراء؟ حتى الآن لا جواب واضحاً على هذا السؤال.
ثم تقول المادة عينها في الفقرة الثانية ما يأتي: «يسمّي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس المجلس النيابي استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها». ثم هنا أيضاً يأتي السؤال الثاني: ما دامت الاستشارات ملزمة، فما الداعي للتشاور مع رئيس المجلس النيابي وعلامَ سيتشاوران؟ وهل الاستشارات في حالة كهذه هي ملزمة باجرائها أم بنتائجها؟ (اكتفى النص بكلمة ملزمة).
ثم في المادة 56 التي أثارها رؤساء ما بعد «الطائف»، واعتبروها مجحفة بل ظالمة بحق الموقع الأول في الدولة. وللتذكير تقول المادة إنّه على رئيس الجمهورية أن يصدر القوانين التي يتخذها مجلس الوزراء، خلال خمسة أيام، وله حق الطلب إلى المجلس إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية، «وإذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة من دون اصدار المرسوم أو إعادته، يعتبر القرار أو المرسوم نافذاً حكماً ووجب نشره».
ويبقى أمران ثمّة حاجة ماسّة للبت بهما دستورياً: أولاً: بعد التجارب المتكرّرة حول صعوبة تأليف الحكومات المرتبط بتوقيعيْ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، طرحت مسألة ما اذا كان ثمّة مهلة محدّدة للرئيس المكلّف من أجل انجاز مهمته وتشكيل الحكومة. ثانياً: قبل اتفاق الطائف، لم تكن مطروحة مسألة عدم انعقاد جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية، ربّما لأنها كانت من المسلّمات والبديهيّات. ولكن بعد العام 1988، باتت بحاجة لحلّ وحسم ولم يعد من الجائز ترك البلاد ومصير شعبها خاضعين للمزاجيّة المحليّة والقرارات الخارجيّة.
لذا يقتضي، وفقاً لدستوريين كبار، إلزام النائب، بموجب مادة دستوريّة محدثة حضور جلسات مجلس النواب العامة ولا سيما جلسات انتخاب الرئيس، ومنعه من مغادرة القاعة قبل اتمام الاستحقاق تحت طائلة اعتباره مخلّاً بواجباته كنائب عن الأمة وتحت طائلة مجازاته أو معاقبته، ووفقاً لأصول تختلف من دولة إلى أخرى، ولو كانت متشابهة أحياناً وهي تراوح، حسب الدول، من الجزاء المالي الذي يحسم من تعويضاته، إلى فقدان مركزه كنائب وسقوط نيابته.
في اختصار، اذا كان استرداد ما خسره رئيس الجمهورية من صلاحيات لم يعد مطلوباً فإنّه لا بد من اعطاء الرئيس ما يمكّنه من لعب دور الحكم وتزويده بطاقة صفراء ترجمة لهذا الدور.
إنّ الدولة في حاجة إلى انضباط، والوطن في حاجة إلى رجال، والدستور في حاجة إلى مرجعية. وإنّ الجمهورية الثانية ما زالت صالحة اذا سدّت الثغرات وإلا فلنذهب إلى شيء آخر تماماً. وما دمنا في قاعة الانتظار، نحن اللبنانيين، فلننتظر نتائج القمة الفرنسية – السعودية وزيارة الموفد الفرنسي جان-ايف لودريان، بدلاً من لبس عباءة المحللين الاستراتيجيين واطلاق توقعات تحت عنوان «حدث غداً».



