معارك غزّة ولبنان: جدال الخسائر والأقمار الاصطناعية (النهار ١٤ تشرين الثاني)

طُرحت علامات استفهام جليّة في وسائل إعلام عدّة حيال ما اعتُبرَت أنّها صور أظهرتها أقمار صناعية لناحية تناقص 88 دبّابة من الآليات العسكرية الإسرائيلية المتوغّلة داخل قطاع غزّة في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري مقارنة مع الثالث منه. وكثرت التحليلات لناحية التفاصيل التي يُؤشّر إليها ما يُتداول من مضامين في السياق… وماذا عن مدى دقّتها؟ الأكيد والمؤكّد، أنّ الإعلام الإسرائيلي لا يُعلن مبدئياً عن الخسائر اللوجستية والمادية ولا تعتبر هذه المسألة ذات أهمية بالنسبة إلى تل أبيب، بل إنّ التركيز يتمحور حول إحصاء الخسائر البشرية وعدد القتلى الذين يحصل استهدافهم في العمليات العسكرية مع الإشارة إلى أسمائهم وصورهم. ويُعتَبر تحطّم المركبات والآليات المسلّحة أو تعطّلها بمثابة مسألة حاصلة ومتعارف عليها بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، لكنّ اللوجستيات لم تكن يوماً محلّ اهتمام فعليّ… لأن ليست خسائر العتاد ما تأبه إليه إسرائيل بل خسائر العديد البشري. هذا ما يؤكّده الخبراء في الشؤون الإسرائيلية والمواكبون الوثيقون للصحافة العبرية، ما يجعل المنظار قائماً على تقويم حجم الخسائر البشرية كمعطى أساسي يعتبر النقطة الأكثر حساسية. ومن هذا المنطلق فإنّ الخسائر البشرية العسكرية الإسرائيلية لم تتجاوز 23 جنديّاً فقط بعد أسبوع من انطلاق العملية البرية. ووصل عدد العسكريين الإسرائيليين الذين قُتلوا منذ بدء التوغّل البرّي في غزّة حتى 10 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري إلى 34 شخصاً بين عسكري وضابط.
وكذلك، أعلنت اسرائيل حتى الآن أنها شنّت 14 ألف غارة جوية استخدمت خلالها مختلف أنواع الأسلحة وأطلقت 23 ألف ذخيرة. لكنها لم تتحدث عن عدد الدبابات التي خرجت من الخدمة مؤقتاً أو دائماً، بل إنّ هكذا نبأ أوعز إليه الجناح العسكري لحركة “حماس”. ومن ناحية الخسائر البشرية، كان الإسرائيليون يرجّحون حجماً أعلى بكثير قبل مباشرتهم العملية البرية في قطاع غزّة، وربما أنهم أرادوا تحضير المجتمع الإسرائيلي لخسائر قد تكون مؤلمة. وفي غضون ذلك، تَعتَبر تقديرات محللين للشؤون الإسرائيلية أنّ خسائر إسرائيل محتملة لكنّها مؤلمة في آن سيّما أنّ الذين يستهدفون شمال غزّة هم من عناصر الوحدات الهندسية المضادة للدروع والفرق المدرّبة جداً.
وقد تولّى جيش النظام البريّ الانخراط في غزّة لا جنود الاحتياط الذين وضعوا على الجبهة اللبنانية، ما يعني العناصر المدرّبة على قتال بريّ، ما يشكّل المعطى الأساسي الذي يجعل الإسرائيليين يعتبرون أنّ الحرب ليست سهلة رغم التقدّم والتوغّل والدخول إلى مدينة غزّة.
ولوحظ في الإعلام الإسرائيلي تحبيذهم استخدام عبارة تحقيق نجاحات لا انتصارات، ما يعني عدم تحقيقهم هدف الحرب المتمثل في اجتثاث “حماس”. ولا يزال من المبكر في الداخل الإسرائيلي الحديث عن إمكان التوصّل إلى سيطرة أمنية شاملة على القطاع لأسباب جليّة… أوّلها عدم التأكّد من غياب وجود أنفاق موصولة بين شمال قطاع غزّة وجنوبها.
وثانيها، عدم قدرة إسرائيل إيقاف حركة مقاتلي “حماس” تحت الأرض حتى الآن مع تصاعد ترجيح وجود أنفاق من شمال القطاع إلى جنوبه، في وقت استطاع الجيش الإسرائيلي تدمير أجزاء من فتحات الأنفاق إلّا أنّ خطوات الاقتحام شائكة وتستند إلى فرق هندسية إسرائيلية تمشّط مناطق التوغّل… وهذا يحتاج إلى أشهر زمنية.
ماذا عن الدور الذي تضطلع به الأقمار الاصطناعية في مراقبة مجريات الأوضاع؟ في التعريف العلمي، تعتبر الأقمار الصناعية بمثابة منظومة تُستخدم منها بشكل مداريّ حول البيئة والمناخ والأرض لقياسات حركات النجوم وتباعدها أو قربها وكذلك تستخدم في القضايا العسكرية. ويستفاد من الاقمار الاصطناعية في الاستخدام العسكري من ناحية إرسال صور إلى المسيّرات والمدفعية والطائرات. وكان استخدام عسكريّ كبير للأقمار الاصطناعية حصل في أوكرانيا من خلال قوات حلف “الناتو”.
وكذلك، تستخدم إسرائيل وروسيا وإيران نظاماً خاصّاً للأقمار الاصطناعية. واستناداً إلى معلومات الإعلام الغربي فإنّ الأقمار الاصطناعية التي استحضرت إلى إسرائيل حديثاً، هي التي تزوّد إسرائيل والمسيّرات الإسرائيلية بكافة التحركات والصور التي تستطيع الحصول عليها وتزوّدها عبر مشغّلها وهي تستفيد من تلك الأقمار.
بالنسبة إلى انفجار المرفأ ووجود أقمار اصطناعية فوق الأراضي اللبنانية، فإنّ خبراء عسكريين متضلّعين في هذه الشؤون يؤكّدون لـ”النهار” وجودها لكنّها ليست تابعة للدولة اللبنانية بل لعدد من الدول النافذة في المنطقة التي يمكن أن تحجب المعلومات عن الداخل اللبناني بما يتناسب مع سياسات كلّ دولة.
وإذ يمكن العودة إلى فحوى الأقمار الاصطناعية فوق الأراضي اللبنانية، لكنّ تزويد لبنان بالتفاصيل مسألة مرتبطة بقرار الدول صاحبة تلك التقنيات واذا كانت تريد ذلك.
وإذا كان هناك من يبثّ صوراً تزعم أنّ هناك دبابات أو مصفحات أو آليات إسرائيلية “اختفت” في غزّة، لكنّ هذا المصطلح لا يُعتَبر صحيحاً أو علمياً بالنسبة إلى القراءات العسكرية لأنّ الأقمار الاصطناعية تترقّب كافة التفاصيل ومن شأنها معرفة إذا كانت آليات معينة قد جرى سحبها من المعركة، مع التذكير بتقرير إسرائيلي سابق يشير إلى إنّه في حرب 2006 مع لبنان وبعد دخول دبابات “الميركافا – 3” سهل الخيام حينذاك، جرى إصابة 112 دبابة وآلية خلال شهر تموز لكنّ إسرائيل استطاعت إعادة 92 آلية منها إلى الخدمة بعد إصلاح الأعطال. ويمكن أن تكون التفاصيل نفسها مرجّحة كمسألة طبيعية لناحية استعادة إسرائيل بعض الدبابات وسحبها من المعركة بهدف إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة، لكن لا عدد رسميّاً جرت الإشارة إليه.


