أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تحلُّل الدولة لصالح الإدارات الذاتيّة… محطة البنزين نموذجاً(النهار 4 أيلول)

كتب اسكندر خشاشو في “النهار”:

تكاثرت في الأسابيع الماضية إعلانات بعض القرى عن أنها باشرت بنفسها عمليّة تنظيم تعبئة الوقود ضمن نطاق بلديّتها، منعاً للمشكلات والازدحام.

وبعد أيّام عدّة، تطوّرت الأمور لتنتقل من عملية تنظيم إلى عملية إدارة ذاتية تحت شعار “ابن البلدة أوّلاً”؛ وكلّ محطّة تزوّد بالوقود أبناءَ منطقتها، وتفرض على المستفيد إحضار أوراق ثبوتيّة وشهادة سكن تؤكّد أنّه ابن المحلّة حتى يتمكّن من تعبئة البنزين.

وكانت أولى بوادر هذه الإدارات قد ظهرت عندما اتّخذت بلديات عديدة قرارات بالحماية الذاتيّة بحجّة كثرة السرقات، فجمعت “أعداداً” من المتطوّعين الذين تناوبوا خلال فترات على حراسة بلداتهم وحمايتها من السّارقين، واعترضوا أيّ “غريب” يدخل إلى البلدة.

 

ومع توالي الأيّام، بدأت هذه الإدارات تأخذ أشكالاً طائفيّة ومناطقيّة ضيّقة، وأصبحت كلّ منطقة كأنها جزيرة منفصلة عن محيطها، لها سلطتها وأرضها، وتمنع أيّ أحدٍ من الاقتراب؛ وهذا ما حدث الأسبوع الماضي في عكار، حيث وقع اشتباك مسلّح بين عكار العتيقة وفنيدق، استمرّ ليومين، واستعملت خلاله الأسلحة المتوسّطة والثقيلة، وأدّى إلى سقوط قتيلين بسبب خلاف على ملكيّة حُرج أو الحطب الموجود في ذلك الحُرج.

ثمّ أخذت الأزمة أبعاداً أخطر في مغدوشة، حيث أدّى قرار البلدية التزام محطّات القرية بيع البنزين إلى أهلها فقط إلى نشوب إشكالات مع قرية جارة، وتحوّلت من خلاف على محروقات إلى خلاف طائفيّ كاد يمتدّ إلى الأراضي اللبنانية كافّة.

 

ولا يكاد يمرّ يومٌ إلا ويسمع بخلافٍ بين قريتين أو منطقتين، بالإضافة إلى عودة مفردات الحرب الأهليّة التي اعتقد الجميع بأن الزّمن تخطّاها، والحديث عن أغراب في المنطقة، والمنطقة ليست مكسر عصا، والشرقية والغربية وغيرها من المصطلحات الخطيرة.
هذا التفلّت واستغلال الأزمات أعاد الأحزاب إلى عزّها بعدما بدأ أغلب اللبنانيين ينفرون منها، فأعادت نشاطها عبر تعزيز النّعرات والتفرقة التي تعتاش عليها، وامتطت أيضاً حصان الاحتياجات لتعود بنفوذها تحت حجّة حماية البيئة، وعدنا نرى بيانات الشكر والتبجيل للنائب الفلاني على تأمينه صهريج مازوت، أو للزعيم الفلاني على تأمينه كمّية من الدواء وغيرها، لتكتمل مشهديّة الدويلات.

وفي هذا السياق، لا يرى وزير الداخلية السابق العميد مروان شربل ضيراً في هذه العمليات التي تقوم بها، خصوصاً أن البلديات هي سلطات محليّة ولديها أجهزتها ونظامها ضمن الدولة.

ويقول لـ”النهار”: “مع تكاثر الأزمات لا حلّ إلا بتدخّل السلطات المحليّة على مستوى التنظيم، فلا إمكانية للدولة أن ترسل دورية أو جنوداً إلى أمام كلّ محطّة بنزين أو فرن أو صيدلية لتؤمن لها الحماية كما ليس من عمل القوى الأمنيّة والجيش مواكبة صهاريج البنزين أو المازوت إلى القرى وفتح معركة مع كلّ صهريج”.

يعترف شربل بأن الدولة بحالة تحلّل، منذ اللّحظة التي أخذت فيها أموال ناسها وحجبتها عنهم، وبالتالي لم يعد دورها حمايتهم بل أصبحت شريكة بضربهم.

يؤكّد شربل أنّ النّاس بحاجة إلى تنظيم نفسها في الأزمات بشرط عدم استعمال القوة والسلاح، والبلديات هي أفضل سبيل لذلك، وهي حلول مؤقتة إلى حين انتهاء الأزمة التي حلّت بالوطن.

لا يُعطي شربل أيّ أهمّية لبعض الإشكالات التي تحوّلت طائفيّة، بالرّغم من أن لدى الجميع نزعة لتحويل أيّ نزاع إلى طائفيّ، ويُعطي أمثلة عدّة كالذي يجري في عكار بين القرى من حجب للمازوت والبنزين عمّن هم من نفس الطائفة والمذهب، إضافة إلى ما يجري على مستوى قرى الجنوب أيضاً، مشيراً إلى أن ما حدث في مغدوشة هو استثناء، ولا خوف من التنظيم بل هو مطلوب في هذه الحالة، ولا حلول أخرى غيره.

ويختم حديثه بالتشديد على أنّه طالما لم يتحوّل التنظيم إلى تنظيمات مسلّحة فلا خوف، مستبعداً الجنوح نحو عسكرة المناطق في الوقت الحالي.

وفي المحصّلة، ما يحدث اليوم في لبنان هو تحلّل الدولة لصالح إدارات ذاتيّة حتّى أن هذه الإدارات لا تأخذ بُعداً طائفيّاً، بل أبعاداً مناطقيّة قرويّة ضيّقة، ونموذجٌ فريد لم يشهد التاريخ مثله؛ فالانهيار اللبنانيّ لا يُشبه الفنزويلي ولا اليوناني أو غيرهما! هو نموذج خاصّ فريدٌ من نوعه.

بواسطة
اسكندر خشاشو
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى