الحرية التجارية مهدَّدة (اللواء ١٦ أيار)

تعاني التجارة الدولية من مشاكل كبرى نتيجة التعريفات الجمركية المرتفعة التي وضعها الرئيس ترامب، كما نتيجة التعريفات المعاكسة التي وضعت في وجهها. تأسست العولمة على التجارة الدولية الحرة التي يبدو أنها لن تستمر كذلك. معظم النمو الاقتصادي الدولي حصل منذ الحرب العالمية الثانية نتيجة الحرية التجارية للسلع التي أفادت الجميع وإن بدرجات مختلفة. تأسست منظمة التجارة العالمية لتحافظ على هذه الحرية التجارية، لكن يبدو أن أعمالها معرقلة نتيجة التعريفات الموضوعة وتخبط السياسات بشأنها.
تساهم الحرية التجارية في رفع مستوى فعالية الانتاج وتخفيض التكلفة. نتج عن العولمة اتساع الشرخ المالي والمعيشي بين الميسورين والفقراء، كما فسر «بيكيتي» في كتابه عن «رأس المال في القرن ال 21». يقول الاقتصادي من البيرو «هرناندو دي سوتو» أن المشكلة الاقتصادية العالمية لا تعود الى وجود رأس المال، وانما الى غيابه عن معظم الدول النامية والناشئة. غيابه بالمعنى القانوني أو اثبات وجوده بشكل دقيق وحمايته يعتبر عائقا أمام النمو، بل يمنع عمليا زيادة الاستثمارات. يقول «دي سوتو» أيضا أنه ليس هنالك عداء بين العمل ورأس المال، بل تعاون عملي وتكامل في سبيل تحسين الأوضاع العامة.
فوائد العولمة أصبحت معروفة اذ أدخلت الى المجتمع الاقتصادي العالمي ملايين المنتجين كما المستهلكين الجدد ورفعت كمية ونوعية السلع والخدمات الى مستويات لم يشهدها العالم من قبل. نتج عن هذه الثورة تطوير مدني لا سابق له، كما انحدار غير مسبوق في جودة البيئة أي ارتفاع خطير في مستوى التلوث. هنالك واقع وهو انتقال التلوث أكثر فأكثر الى دول الجنوب أو الى الدول النامية والناشئة بسبب تحول الانتاج اليها بسبب التكلفة والحقوق كما الواجبات. يحاول ترامب اليوم عبر التعريفات الجمركية فرض عودة الشركات الصناعية الأميركية الى أميركا بالاضافة الى جذب استثمارات الشركات غير الأميركية التي تنتج في الخارج وتبيع في الداخل الأميركي. تعود اليوم العولمة الى الوراء أو أن الطريق عكسية.
لم يأتِ التطور الصيني مثلا من الداخل فقط بل من الاستثمارات الغربية المباشرة في كل القطاعات. في الأوضاع الاجتماعية خلقت العولمة صراعا بين رأس المال والعمال لم تعالجه الحكومات بل تركته يتفاقم، كما وضعت العولمة مؤسسات قطاع الأعمال كما العمال أنفسهم في منافسة خطيرة وكبيرة فيما بينهم. تكون العولمة في كل شيء أو لا تكون، أي في الاستثمارات والتجارة والثقافة والتربية والتعليم وهذا ما حصل منذ أربعينات القرن الماضي وتهدده اليوم سياسات ترامب. عجزت منظمة التجارة العالمية عن تحقيق اتفاقية عالمية لتخفيف الحواجز التجارية كما عجزت عن انهاء «جولة الدوحة» من المفاوضات التجارية التي بدأت رسميا في سنة 2001 ولم تنتهِ. نتج عن هذا العجز أو ربما التقصير انتشار الاتفاقيات الثنائية أو الاقليمية التي تخلق مجموعات تجارية جغرافية مغلقة.
هنالك انقسام كبير فيما يخص نتائج العولمة. الصراع لن يحسمه الجدال النظري بل الاحصائيات التفصيلية الدقيقة. اذا كانت الأرقام موجودة بالنسبة للدول الصناعية، فهي غائبة عن معظم الدول النامية والناشئة لذا يستمر الصراع الفكري. هنالك من يقول أن العولمة تسمح للأغنياء والشركات الكبرى بالسيطرة على الاقتصاد، وآخرون يقولون أن العولمة تسمح للشركات الصغيرة كما للفقراء بالنهوض بفضل توسع الفرص وتواصلها عالميا. لا شك أن العولمة متعثرة اليوم لكنها باقية في منافعها ومساوئها، والمطلوب تحفيز المنافع وتخفيف المساوئ عبر تحديث القواعد وتدخل القطاع العام لمنع الجشع والاحتكار. فالعولمة تعني أيضا احترام الانسان وحقوقه كما تحسن أوضاعه المعيشية والاجتماعية.
في أفريقيا هنالك 3 مجموعات تجارية كبيرة تمثل 26 دولة اتحدت لخلق منطقة حرة فيما بينها للاستفادة من منافع التجارة. النمو السكاني الأفريقي يشغل بال المسؤولين حيث أن 80% من الزيادة السكانية العالمية حتى سنة 2100 أو 4 مليار شخص ستحصل في القارة السوداء. حصلت استثمارات مباشرة في أفريقيا قدرها مثلا 800 مليار دولار في سنة 2014 بينها 28 مليار من الصين أهمها في قطاع الطاقة. هنالك منطقة واحدة في العالم متأخرة في ما يخص التجارة والنمو وهي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي لا يكفيها سوء التنوع الاقتصادي وضعف المؤسسات وزيادة الفساد وتردي البنية التحتية، بل هي غارقة في حروب تأكل ما تبقى من خيرات وتعيدنا الى الوراْء.
منذ سنة 1950 وحتى 2008، ارتفع حجم التجارة الدولية 32 مرة مقابل 8 مرات للناتج العالمي مما أوصل نسبة التجارة من الناتج الى 30%. لم يحصل هذا من لا شيء، وانما من اتفاقيات «الغات» الثمانية التي حررت التجارة العالمية خاصة أمام الصناعة. منذ 2008، يرتفع الناتج العالمي معدل 5,2% سنويا مقابل زيادة التجارة الدولية سنويا 4,6% فقط. هنالك تغيير كبير في مراكز القوى ومدى قوتها مما يشير الى تحول اقتصادي عالمي غير مسبوق. حصة الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية واليابان وكندا من التجارة العالمية انخفضت من 70% في سنة 1994 الى 50% في سنة 2013 مما يشير الى انتعاش مناطق أخرى خاصة في أسيا. انخفاض النسب لا يعني انخفاض الأرقام بل العكس صحيح اذ استفاد الجميع من التجارة.
تنحصر التجارة الدولية عمليا في شركات قليلة تقوم بها. تتمتع هذه الشركات بالنفوذ وتستفيد من اتفاقيات وسياسات تصب في مصلحتها بل هي وراءها. فالعلاقة العضوية بين المال والسلطة ما زالت قوية في كل الدول قبل العولمة ومعها. دور المجتمع المدني الوطني والعالمي ما زال خجولا اذ يحتاج الى الدعم السياسي والمالي المتعثر. هنالك تحالف قوي غير ظاهر عابر للدول بين السلطة والمال في وجه المجتمع المدني، مما يجعل نتائج المعركة محسومة قبل بدئها.



