خاص- شرط واحد لإنقاذ البلد!

– فراس –
مما لا شك فيه ان الهجوم العنيف على حاكم مصرف لبنان رياض سلامه يأتي في إطار تخبط الحكومة وضياعها في إدارة شؤون البلاد وخصوصاً مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية والذي ظهر في أكثر من ملف ومحطة، لا سيما في التعيينات القضائية، سحب مشروع الـCapital Control، فشل التعيينات المالية، والانتقاد الكبير لخطة الانقاذ المالي والـHair Cut، وهذا للأسف، يظهر عجز الحكومة عن انتاج الحلول، وهذا أخطر أمر في كل هذه الخبرية.
ما يهم اللبنانيين، بعيداً عن التضليل وإثارة الخوف والهلع وتوجيهها باتجاه واحد، تم التركيز عليه منذ 17 تشرين الاول 2019، أي باتجاه مصرف لبنان والمصارف، ما يهمهم فعلاً قدرتهم الشرائية وحياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم وانقاذ بلدهم، وللحقيقة ان كل ما يحصل اليوم وبشكل خاص هذه العراضات، لا يصب في هذا الاتجاه، إنما يزيد الأمور تعقيداً، لا بل يسرع في عملية الانهيار ويزيدها سوءاً، لأسباب كثيرة لعل أبرزها:
1- ان تصفية الحسابات السياسية لم تصل ولا مرة في تاريخ لبنان الى مبتغاها، إنما كل المحاولات التي تمت في هذا الاطار لم ينتج عنها سوى المزيد من السلبية والتراجع والتفكك، وذلك يعود لتركيبة البلد والتوازنات السياسية الداخلية والخارجية والتي هي أكبر من أي طرف مهما حاول ان يرفع صوته ويضخم حنجرته.
2- ان التصويب على مصرف لبنان والمصارف، ليس هو الاتجاه الصحيح في هذا التوقيت بالذات، لأن أصل المشكلة في مكان آخر، وهذا يعني ان أي تغيير على مستوى المصارف ومصرف لبنان فقط لن يغير في المعادلة السلبية القائمة انما سيزيد الأمر سوءاً.
ومن أجل وضع النقاط على الحروف، فلا بد من توضيح للرأي العام خارطة بسيطة تظهر كيفية استنفاد المال العام وأموال المواطنين، فالاتجاه واحد؛
عجز سنوي في الموازنة العامة بمعدل 5 مليارات دولار- عجز ناتج عن: كلفة القطاع العام (حوالي 360 الف موظف في حين ما تطلبه الدولة من موظفين لا يتجاوز الـ160 ألفا على أبعد تقدير)، ودعم الكهرباء وخدمة الدين العام – مجلس النواب يسمح للحكومة بالاستدانة لتغطية العجز – الحكومة تتوجه للدائنين في الخارج وللمصارف ومصرف لبنان للحول على الأموال عبر بيع سندات خزينة أو يوروبوند – بعد امتناع الجهات الخارجية والمصارف من الاستمرار بتديين الدولة كانت الحكومة تضغط على مصرف لبنان لتأمين الأموال لها.
هنا المشكلة الحقيقية، ومشكلة رياض سلامة انه كان يتجاوب مع طلب الحكومة بالاستدانة لتمكينها من الاستمرار بالاتفاق على هذا الثالوث المذكور أنفاً، وإذا كان هناك من إتهام لسلامه أيضاً بتثبيت سعر صرف الدولار لتكلفته الباهظة، فالأكيد ان هذا الأمر كان مطلباً لجميع القوى السياسية واستفاد منه جميع اللبنانيين.
نعم أخطأ رياض سلامة عندما رضخ للقوى السياسية في تلبية طلباتها للاستدانة وتثبيت سعر صرف الدولار، وإذا كان هناك من تهمة في هذا الاطار فليحاكم على هذه الافعال، لكن ليس وحده لأن هذه الامور جرت بمشاركة الجميع.
لكن ما يجب أن يقال، ان الامور في البلد لا يجب ان تدار بهذه العقلية المستنفدة، خصوصاً إن ما يتم تداوله عن استبعاد أطراف أساسية لها علاقة مباشرة بالحل مثل مصرف لبنان والمصارف والهيئات الاقتصادية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وعدم اشراكهم بالمداولات التي تمت في السابق لاعداد خطة الانقاذ، هو امر في غاية الخطورة لأنه يمثل عقلية منغلقة ومستبدة، وهذا لا ينسجم مع متطلبات المرحلة.
أكثر ما نحتاج اليه في هذه اللحظة التاريخية، هو نبذ الأحقاد، ووضع السياسة جانباً، فالوقت ليس لتصفية الحسابات التي لم توصلنا في يوم من الأيام إلا الى مزيد من الخراب. الوقت اليوم للعمل وشبك الأيدي وتجميع كل القدرات والامكانات وتوجيهها في إتجاه واحد لإنقاذ البلد ومؤسساته وشعبه من فقر وعوز مؤكد.
نعم، على الرغم من كل هذا التخبط، لا يزال لبنان يتمتع بالكثير من القدرات، وهناك امكانيات أكيدة للحل ولجمّ الدولار والعودة الى طريق التعافي والنهوض، بشرط واحد أن تتمتع السلطة بمنطق الإدارة الرشيدة.



