أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لا تفرّد في حلّ الأزمات وبينها لبنان رغم الاتفاق السعودي – الإيراني (النهار ٣١ آذار)

تنتظر الدول الاقليمية انعكاسات التفاهم السعودي – الايراني على مجمل الوضع في الشرق الاوسط. وفيما كانت الولايات المتحدة الاميركية تضغط لتطبيع العلاقات السعودية – الاسرائيلية، بادرت الصين الى رعاية اتفاق اقليمي أنهى سبع سنوات من انقطاع العلاقات الديبلوماسية بين طهران والرياض. ولهذا التطور تداعيات ايجابية محتملة في منطقة تمتد من لبنان الى اليمن مرورا بسوريا والعراق نظراً الى الدور الصيني المتنامي وتغييب جزئي للدور الاميركي.

لقد أوجد الانسحاب العسكري الاميركي من الشرق الاوسط فراغا جيوسياسيا تملأه الصين بديبلوماسيتها، فمثّلت الصفقة فوزا لبكين التي تمكنت من خفض التصعيد بين عضوين بارزين منتجين للنفط. وهذا سيساعد على تأمين الامدادات النفطية التي تحتاجها الصين، واعتمادها كوسيط نافذ في منطقة مثقلة بالصراعات.

ويعود إخفاق واشنطن في التوصل الى سلام اقليمي الى سياسة اميركية متضاربة تجاه المنطقة، فتحولت السعودية من المواجهة مع ايران الى الديبلوماسية والحوار مما فتح الطريق امام الوساطة الصينية بعدما اصبحت الديبلوماسية افضل خيار للطرفين. وبعد ايام من المفاوضات في بكين صدر بيان ثلاثي مشترك حول اتفاق لاعادة فتح سفارتَي البلدين واستئناف العلاقات الديبلوماسية في غضون شهرين واحترام سيادة كل منهما وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واعادة إحياء الاتفاقات الامنية والتجارية، على ان يتم لاحقا تحديد موعد لاجتماع وزيري الخارجية السعودي والايراني لتنفيذ الاتفاق وتعزيز العلاقات الثنائية.

ويمكن تفسير التحولات في نهج السعودية تجاه ايران بسببين: من جهة واجهت المملكة لحظة حقيقة في ايلول 2019 عندما ألحق هجوم بطائرات مسيّرة نفّذه الحوثيون من اليمن اضرارا بمرافق النفط السعودي. وتوقع السعوديون رد واشنطن على ايران للدفاع عن الموارد النفطية الخليجية. لكن الرئيس دونالد ترامب لم يكن لديه مصلحة في المخاطرة بنشوب حرب اقليمية ولم يتقيد بمبدأ الرئيس جيمي كارتر (الدفاع عن الموارد النفطية)، معتبرا ان الاتفاقات السابقة كانت على اسس هشّة. فشكلت الهجمات على البنى التحتية النفطية منعطفا اذ ادرك السعوديون انه لم يعد بامكانهم الاعتماد على واشنطن. لذا قرر ولي العهد الامير محمد بن سلمان الترحيب بجهود الحكومة العراقية للتوسط بين البلدين لنزع فتيل التوترات وتم عقد العديد من الاجتماعات ابتداء من العام 2020 بين الطرفين السعودي والايراني في بغداد وعمّان لتذليل العقبات.

ومن جهة أخرى، عزز الانسحاب الاميركي من افغانستان عام 2019 هذا التوجه، فاعتبر القادة الاقليميون ان واشنطن تغادر المنطقة بالفعل حتى لو تركت قوات لها وقواعد، ففقدت الولايات المتحدة بنظر القادة ارادتها للقتال من اجل الشرق الاوسط. وفي حينه طالب رئيس دولة الامارات الشيخ محمد بن زايد بالتزام اميركي بأمن شركاء واشنطن من خلال ميثاق يُعتمد في الكونغرس. وساعدت سياسة الرئيس جو بايدن على دخول الصين كحليف مضمون للسعودية، ولم تفلح ادارته في طمأنة الحلفاء حتى بعد عودته عن خطته لخفض مستويات القوات الاميركية المنتشرة في الشرق الاوسط لدعم الحلفاء الذين يتصدّون للنفوذ الصيني. حتى ان الرئيس الاميركي تعهد بجهود لانهاء الحرب اليمنية وضغط على السعودية لزيادة انتاجها من النفط نتيجة الحرب الروسية – الاوكرانية، ولكن نظرا الى المواقف السياسية الاميركية تجاه السعودية لم تمتثل الرياض للمطلب الاميركي ووقفت الى جانب موسكو، عندما قررت خفض انتاجها ورفضت الانضمام الى العقوبات الغربية على روسيا ودعت الرئيس الصيني شي جين بينغ الى قمة عربية – صينية في الرياض فاستفادت بكين من انعدام الثقة بين واشنطن وحلفائها الاقليميين لتعزز علاقتها مع القوى الاقليمية من دون انحياز او تورط في الصراعات وحافظت على علاقات جيدة مع ايران والسعودية واسرائيل، معتمدة على نفوذها الاقتصادي بدلا من نفوذها العسكري وبدت كلاعب بامكانه حل النزاعات.

وعلى رغم ترحيب واشنطن بالتقارب السعودي – الايراني والجهود لحل النزاع اليمني وتخفيف التوترات في الشرق الاوسط من العراق الى لبنان مرورا بسوريا، إلا انها قللت من اهمية الوساطة الصينية إذ اشار الناطق باسم مجلس الامن القومي جون كيربي الى “ان ما ساعد على جلب ايران الى طاولة المفاوضات هو الضغط الذي تتعرض له داخليا وخارجيا وليس مجرد دعوة من الصين”.

المحادثات السعودية – الايرانية مستمرة منذ اعوام اي قبل الاحتجاجات التي تشهدها المدن الايرانية او العقوبات الاضافية التي فرضها الرئيس بايدن منذ توليه الرئاسة، مع العلم ان الاحداث التي تشهدها ايران ووضعها الاقتصادي الهشّ سرّعا من دون شك التقارب بين البلدين.

والواضح ان شرق اوسط اكثر امانا واستقرارا مفيد للولايات المتحدة، فتعرّض تدفّق النفط من المنطقة للخطر يضيف مخاطر زيادة الاسعار. لكن يعود لواشنطن أن تأخذ هذه الوساطة كتحذير. فاذا استمرت في تورطها في صراعات حلفائها الاقليميين ستبقى جزءا من المشكلة بدلا من الحل وسيصبح مجال مناوراتها محدودا وتتنازل عن دورها كصانع سلام للصين. ويعود لواشنطن ايضا توقفها عن الانحياز والتحدث مع جميع اللاعبين الاقليميين لتطوير بنية امنية جديدة تقود الى وجود عسكري اميركي منخفض يتقاسم المسؤولية الامنية مع القوى الاقليمية ولا يترك لدى دول المنطقة شعورا بانها صانع حرب في حين ان الصين صانع سلام.

وفي السياق، ماذا سيكون دور هذه الدول في حل الازمات الاقليمية المتشعبة من اليمن الى لبنان مرورا بفلسطين والعراق وسوريا؟ وماذا عن الدور الصيني المتصاعد في المساعدة على ايجاد حل لأزمات المنطقة؟ وهل ستفقد الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا دورها في المساعدة على صوغ الحلول في الشرق الاوسط بعد عودة العلاقات بين السعودية وايران في ظل رعاية صينية – اميركية، فيتم التوصل الى سلام في اليمن وحل للازمات العراقية واللبنانية وعودة سوريا الى الحظيرة العربية ضمن توافق اقليمي تحت رعاية اميركية وصينية؟ على رغم التقارب السعودي – الايراني، فهما لن يتمكنا من التفرد في صوغ الحلول الاقليمية، والدور الغربي وبخاصة الفرنسي سيستمر، فهما بحاجة الى باريس لموقعها الدولي الوسطي للتوصل الى حلول للازمات الاقليمية.

 

بواسطة
سمير تويني
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى