الترخيص لـ”ستارلينك” بذريعة صعوبة تطبيق القانون

قرّر وزير الاتصالات شارل الحاج، التنازل عن حقوق الدولة الحصرية في ملكية التردّدات اللاسلكية وحقّ استخدامها وتأجيرها، المكفولين بالمادتين 15 و16 من قانون الاتصالات رقم 431 بحجة عدم القدرة على تطبيق القانون! وللقيام بذلك، استند إلى مطالعة «خنفشارية» من هيئة التشريع والاستشارات تمنحه القدرة على الترخيص، ثم عرض الموضوع على مجلس الوزراء وسحب عرضه «لمزيد من المشاورات قبل عرضه مجدداً لاتخاذ القرار المناسب»، ثم أوعز إلى توحي خطوة الحاج كأن مجلس الوزراء «في جيبه». فهو لم يحصل على موافقة «ستارلينك»، بل نوقش الأمر في المجلس على ضوء المعطيات التي قدّمها الحاج نفسه في الملف المعروض على المجلس. ثم عمد في نهاية النقاش، إلى طلب «إرجاء البت بالموضوع لمزيد من المشاورات قبل عرضه مجدداً على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب».
رغم ذلك، قرّر الحاج استباق ما سيقرّره مجلس الوزراء، وأرسل إشعاراً إلى هيئة الشراء العام نُشر على موقعها الإلكتروني، يفيد بأن وزارة الاتصالات «ترغب في الترخيص لخدمات توزيع الإنترنت على كامل الأراضي اللبنانية عبر الأقمار الصناعية على أساس غير حصري وهي تقوم بنشر الإجراءات التمهيدية لمشروع مرسوم الترخيص لشركة «ستارلينك لبنان» بتقديم خدمات توزيع الإنترنت على كامل الأراضي اللبنانية عبر ة الساتلية الخاصة بشركة «سبيس أكس»، بالإضافة إلى «تأمين خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية المشغلة من قبل شركة سبيس أكس وتوزيعه في لبنان مباشرة عبر محطات طرفية أرضية للمشترك الانتهائي».
إذاً، في جلسته الأخيرة التي عقدت في 13 آب الجاري، لم يمنح مجلس الوزراء، وزير الاتصالات، الحقّ في عقد اتفاق كهذا، رغم أنه لم يمانع «مبدأ الترخيص للشركات المعنية في شير البند الأول منها إلى أنّه «عندما يكون توفير خدمة اتصالات خاضعة لترخيص يستوجب استعمال حيّز الترددات اللاسلكية، تصدر الهيئة ترخيصاً واحداً يشمل توفير خدمات الاتصالات واستخدام حيّز التردّد اللاسلكي المطلوب لهذه الخدمة». وإذا كان الأمر من الناحية القانونية يمكن «الإفتاء» به، إلا أنه من الناحية السوقية لا يمكن. فالمعروف أن الترددات هي «أصلٌ» نادر لا تبيعه الدول إلا بأغلى ثمن.
ورغم وضوح النصوص القانونية، يتصرف الحاج بخفّة مبالغ بها في التعامل مع ملف الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، إذ يتجاوز التشريعات والهيئة الناظمة للاتصالات ومجلس الوزراء للوصول إلى الترخيص لعمل شركة «ستارلينك» في لبنان. وهنا يشير مطلعون على المفاوضات مع «ستارلينك» إلى أنّ «الهدف الرئيسي للحاج هو كسر حصرية هيئة أوجيرو في استجرار الإنترنت».
لكن ثمة سؤال أساسي يثار إزاء مسألة حقّ مجلس الوزراء بالترخيص في ظل عدم القدرة على تطبيق القانون 431 وصدور المراسيم التنظيمية للهيئة المنظمة للاتصالات: أليست الحكومة ووزير الاتصالات تحديداً هما المعنيين الرئيسيين في تطبيق القانون وإصدار المراسيم التنفيذية؟ فلماذا التسرّع في الترخيص لستارلينك بينما الأولى والأجدر إصدار هذه المراسيم بكل تفاصيلها التي تميّز بين تقنيات تقديم الخدمات وتوزيعها وحقوق الأطراف المعنية بها، ولا سيما أن التطوّر التكنولوجي في هذا المجال متسارع وهائل لدرجة أنه يترتب تنظيم هذا القطاع بما بحفظ الحقّ العام؟
معلومات مشتركي «ستارلينك» في قطر
بعدما بقيت العقدة الأمنية حائلاً يمنع دخول «ستارلينك» إلى لبنان. يشير نص العقد الرضائي المقترح من مديرية الاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات إلى أنّ على الشركة الامتثال لجميع متطلبات الأمن القومي اللبناني، وتنفيذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة لضمان حماية الشبكة والخدمات وخصوصية البيانات الشخصية. لذا، ستخزن بيانات المشتركين اللبنانيين على خوادم هيئة «أوجيرو» الموجودة في قطر، في نقطة شركة «SpaceX». وتحمل وزارة الاتصالات هيئة «أوجيرو» مسؤولية تخزين البيانات، واستخراجها، ونقل المعلومات ذات الصلة، في حال طلب أيّ من الأجهزة الأمنية هذا الأمر.
الترخيص لـ «ستارلينك» في الدول العربية
خلافاً للطريقة العشوائية التي يدار فيها الملف في لبنان، فإن قطاع الاتصالات في الدول العربية خاضع للنقاش السياسي والتقني والاقتصادي. ففيما ستترتب على لبنان خسائر كبيرة في إيرادات الاتصالات جراء منح «ستارلينك» ترخيصاً ببيع الإنترنت بواسطة السواتل، فإن السعودية مثلاً لم تمنح «ستارلينك» ترخيصاً ببيع هذه الخدمة إلا في المناطق التي يصعب تقديمها فيها في البحر (النقل البحري) والجو (الطيران المدني) واشترطوا أن تكون الخدمات حيث تحفظ المعلومات في السعودية حصراً وليس في الخارج. والإمارات لم تمنح «ستارلينك» سوى الترخيص ببيع الخدمة في الجو فقط (الطيران المدني). كذلك تراجعت مصر والأردن عن خططهما لمنح «ستارلينك» وشركات أخرى هذه الخدمة قبل المزيد من النقاش فيها.
هو الانخفاض في مجمل مداخيل شركات مزودي خدمات الإنترنت وشركات نقل المعلومات من زبائنها بسبب المنافسة التي ستتعرض لها من شركة ستارلينك التي تنوي في السنوات الخمس المقبلة بيع أكثر من 70 ألف جهاز في السوق اللبنانية، علماً بأن الشركات اللبنانية تدفع كلفة مرتفعة، مقارنة مع الخارج، لاستخدام السعات الدولية تبلغ 14500 دولار لكل جيغابيت. وهذا ما يضع الاتصالات في لبنان على مخاطر الاعتماد على الخارج في السنوات المقبلة
5.9 ملايين دولار هي الخسائرة التي ستتكبدها وزارة الاتصالات من إيراداتها بسبب منح الترخيص لشركة «ستارلينك» بينما ستبلغ مداخيلها من هذا الترخيص نحو 2.6 مليون دولار، وذلك كلّه في السنة الأولى من الترخيص، إذ سيزداد الفرق بين الخسارة التي ستتكبدها الوزارة وإيراداتها من ستارلينك بشكل كبير في السنوات اللاحقة.



