زيت الزيتون…هل يُصنّع في لبنان؟؟ (الديار 23 تشرين الأول)
أسباب ارتفاع الأسعار... وآليات التصنيع

كتبت رجاء الخطيب في ” الديار”:
تكاد الخدمات والبضائع كافة في لبنان تشهد ارتفاعاً جنونياً في سعرها الأصلي، ويعزي أصحاب الشأن هذا الإرتفاع، إما إلى كلفة الإستيراد بالدولار، أو استيراد المواد الأولية بالدولار أيضاً، أو كلفة النقل والمحروقات داخل لبنان. ولكن ماذا عن المنتجات والمحاصيل اللبنانية المحلية المنشأ؟
يشتهر لبنان في أكثر من منطقة من مناطقه بزراعة الزيتون وإنتاج أفضل أنواع زيت الزيتون البكر الذي يزين المائدة اللبنانية ويتغنى به الجميع لما له من فوائد صحية جمة. هذا الجزء من الإرث الوطني والإنتاج البلدي يتعرض اليوم لضغوط مثله كمثل بقية البضائع، إرتفاعاً جنونياً في سعر كيلو الزيتون من ٣٠٠٠ ليرة لبنانية إلى ٣٥٠٠٠ ألف ليرة لبنانية، بينما بلغ سعر تنكة زيت الزيتون مليوني ليرة، بعد أن كانت لا تتخطى ١٥٠ ألف ليرة قبل الأزمة التي ضربت لبنان بدءا من تشرين من العام ٢٠١٩.
ماذا يقول مزارعو الزيتون عن هذا الإرتفاع… وإلى ماذا يعزون الأسباب؟ وما هو دور وزارة الزراعة في مراقبة إنتاج ومبيع هذه المحاصيل كيلا تصبح مثيلاتها من المستوردة أقل سعراً وأكثر منافسةً للسوق اللبناني الذي هو بأمس الحاجة إلى الدعم المحلي؟
للوقوف على أحوال هذه الزراعة، قال رئيس التعاونية الزراعية في بلدة صيدون قضاء جزين، السيد شربل خوند لـ «الديار» أن مزارعي الزيتون هم من شرائح المجتمع اللبناني على الصعيد الفردي ومن ضمن أهم سلاسل التصنيع الزراعي على الصعيد الإنتاجي المحلي، حيث إن الاضطرابات السياسية المرافقة للأزمة الاقتصادية الخانقة فرضت تحديات قاسية على الشعب اللبناني بشكل عام والمزارع بشكل خاص. واعتبر ان من التبعات السلبيّة لهذه الأزمات، معاناة مزارعي الزيتون من إنخفاض لقدرتهم الشرائيّة، إرتفاع أسعار المدخلات الزراعيّة وعدم قدرة المزارع على شرائها، مما ينعكس على جودة وكمية الإنتاج، ارتفاع أسعار المحروقات الماكينات الزراعية، ارتفاع كلفة النقل واستخراج الزيت، وأخيراً ارتفاع أجور العمّال اليوميين، وبالتالي فكل مدخلات القطاع ارتفعت أسعارها مع هبوط قيمة الليرة مقابل الدولار، من الطبيعي أن ينعكس ذلك على سعر الإنتاج وحاجات عائلات المزارعين لأن يتمشى مدخولهم مع التضخم الحاصل، وليحافظوا على قدرتهم الشرائية على مدار السنة.
واشار الى ان من ينظر الى القطاع من الخارج، يعتقد أن السلسلة الإنتاجية للزيت هي محليّة بحتة ولبنانية، بينما الحقيقة إنه قطاع لا شيء لبناني فيه سوى المياه. فالمحروقات، والعمال، والأسمدة، والمبيدات، وماكينات استخراج الزيت وقطع الغيار الخاصة بها، ونصوب أشجار الزيتون نفسها كلها مستوردة، وبالتالي، فان الدولار لاعب أساسي ومؤثر في سلسلة إنتاج زيت الزيتون اللبناني وسعره، وهو ما يفسر ان ما كان في الماضي يباع بمئة دولار فانه من البديهي ان يكون كذلك في يومنا هذا.
واعتبر خوند انه من الممكن وصف الإقبال على الشراء حتى الآن بالخجول والمتردد، وان الأرقام صادمة، ولكن دائماً للوقت دور أساسي في تنظيم السوق وتحديد أولويات المستهلك، خصوصا إننا نعتقد أن هذا القطاع سيواجه تغييرات متنوعة وخاصة على صعيد مواصفات المُنتَج، فمثلاً من الممكن أن يبدأ المستهلك بالتوجه نحو العبوات الصغيرة عوضا عن الكبيرة مثلا، ونفى أي تغيير كبير في الوقت الحالي في ما خص الأسعار، ولكن من الممكن أن ترتفع في المستقبل عند إنخفاض الكميات المتوافرة، فيخضع عندئذ السعر لقانون العرض والطلب.
ورأى ان الدولة يجب أن تولي القطاع الزراعي أولوية في الإستراتيحية الإنتاجية، عبر رفع حصة المزارع من الميزانية العامة للدولة، دعم المدخلات الزراعية الأساسية، أخيرا مساعدة المزارع في إيجاد خطوط تصدير الى دول الخارج والإغتراب، وخطة تسويقيّة للإضاءة على المنتجات الزراعيّة اللبنانيّة والمشاركة في المعارض الخارجيّة. وبالتالي يطلب الدعم المباشر من تعاونيات الوزارات المعنيّة (الزراعة، الإقتصاد، السياحة،…) ووضع خطة متكاملة لتحقيق الحاجات المذكورة أعلاه، بالإضافة الى الحاجة لان تؤدي المنظمات المحليّة والدوليّة دورها وخاصة على صعيد تطوير مهارات المزارع الإنتاجيّة والتصنيعيّة، وأخيراً ذكر خوند بضرورة الدعم غير المباشر من خلال تطوير التعاونيات الزراعيّة ونشر التوعية عن أهميّة العمل التعاوني في تخفيف الكلفة الفرديّة وتوحيد وتحسين النوعية، ورفع قدرة المجتمع الزراعي في الوصول الى الأسواق الخارجيّة.
إذاً عوضاً عن لوم بعضنا بعضا، وإتهام الآخرين بالجشع والطمع، إنه لمن الأجدى الاتجاه إلى المسار التصحيحي الوحيد والبديهي وهو التحول نحو مجتمع إنتاجي لا استهلاكي، فكما قال «أمين الريحاني» ذات يوم: الأمة التي لا تنتج تموت، ولو كانت جبالها من فضة وسهولها من ذهب!



