أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“الكابيتال كونترول”: مكانك راوح… (النهار ١٤ كانون الأول)

يستمر في المجلس النيابي بصورة منتظمة حتى اليوم، عرض الحلقات الأخيرة من مسلسل “الكابيتال كونترول” العتيد، بتأجيل و”مماطلة” يعودان لثلاث سنوات خلت.

في الشكل، يُسجَّل لنائب رئيس المجلس الياس بو صعب إصراره على السير بالمشروع، وهو الآتي من إنجاز ترسيم الحدود النفطية والبحرية مع إسرائيل، مفعما بحماسة سياسية ونيابية يطمح من خلالهما إلى تعزيز رصيده في الإنجازات التشريعية. في المضمون، يرصد متابعو النقاشات والمداولات بين النواب والخبراء والمشاركين في عملية استيلاد قانون “الكابيتال كونترول”، تلك المحاولات الدؤوبة من مختلف الشرائح السياسية الممثلة في المجلس النيابي لـ”تطيير” القانون، تارة عبر التأخير الفاضح في دراسته وطرحه للنقاش، وطورا عبر حشوه بمواد واستثناءات تفرغه من مضمونه وأهدافه، ودائما، ربطه بإقرار قانون هيكلة المصارف وغيره من القوانين ذات الصلة.

بالأمس، إنشغل النواب بمناقشة الإستثناءات التي سيشملها القانون، فيما رُحّلت الى الجلسة المقبلة إشكالية الاستثناءين: الاستشفاء والتعليم الجامعي. في الاشكالية الاولى ثمة أسئلة مشروعة عمن سيراقب التقارير الطبية، ومن سيصدق تقريرا طبيا كتبه طبيب معيّن من جهة سياسية، ومن سيتأكد من سعر الكلفة؟ ولماذا ستتم الموافقة على عملية جراحية في الولايات المتحدة الأميركية مثلا، بكلفة 50 ألف دولار، فيما يمكن إجراؤها في أوروبا بعشرين ألفاً، أو في روسيا بخمسة آلاف فقط؟ وما الآلية للتأكد من المستلزمات الطبية المستعملة، علما أن فارق السعر كبير جدا بين الصناعات الشرقية (الصين، الهند، روسيا، إيران…) وبين الصناعات الغربية (أوروبا، أميركا…؟

أما التعليم الجامعي، على أهميته للشباب ال#لبناني، فإن السؤال: من سيقرر مؤهلات الطلاب؟… والجامعات؟ والكلفة؟ وهل ستشمل الأقساط من دون المصاريف؟ وكم؟ ومن هم العباقرة أعضاء اللجنة الذين سيجمعون المعرفة بالطب والتعليم الجامعي على حد سواء، ليقرروا الصرف والتحويل؟

والسؤال الأهم: هل لدى النواب معلومات عن سيولة المصارف حاليا، والتي ستقع عليها وحدها مسؤولية تطبيق القانون؟ وهل يملكون تأكيدا لجهوزيتها للدفع والتمويل؟ واستطرادا، هل لدى المسؤولين عدد تقريبي للطلاب الراغبين في متابعة تخصصهم في الخارج؟ وماذا لو كان العدد فوق المألوف، هل ستقبل المصارف بإفراغ خزائنها الفارغة أصلا؟ ولمن ستكون الأولوية في حال التعثر؟ للإستشفاء أم للتعليم؟ وما مصير الطلاب الذين هاجروا مع عائلاتهم الى الخارج وعددهم بمئات الألوف، هل سيفيدون من القانون فيما هم يقطنون خارج البلاد؟
الكثير من الأسئلة تحيط بمجريات مناقشة قانون “الكابيتال كونترول”، لكن السؤال الأساسي هو: من المعروف أن من سيمنح الأذونات للمصارف بالتحويل هي لجنة ستتشكل لهذه الغاية. هذه اللجنة سيشكلها حتما مجلس الوزراء، والاخير يتشكل عادة من “القبائل” الحزبية والسياسية اللبنانية ذاتها التي سطت على أموال الناس والدولة وودائع المصارف ومصرف لبنان على حد سواء، لذا من الطبيعي والبديهي أن تتشكل اللجنة من أتباع ومحاسيب الوزراء ومن يمثلون. لذا لا أحد سيصدق أن مهمة هذه اللجنة لن تكون حصرا تأمين مصالح من عيّنها، ومنحها حمايته، ولهذا فانه مهما كثرت وعود السياسيين بالشفافية والعدالة وتطبيق القانون، سيكون مصير “الكابيتال كونترول” مماثلا لمصير عشرات القوانين الأخرى النائمة في أدراج ضمير المسؤولين، لأن الثقة بالسلطة ساقطة سلفا، وأن “مَن جرّب المجرب، كان عقلو مخرب”.

جلسة اللجان امس استكملت النقاش في مشروع قانون “الكابيتال كونترول”، وكانت ثمة نقطة عالقة هي، وفق ما قال بو صعب، “التعاريف التي نطلقها على الاموال الجديدة، ربطناها بالتعاريف من اجل الوصول الى البند الرابع الذي ينص عليها. أقررنا تعرفة الاموال الجديدة بصيغتها الحديثة، وتركز النقاش على أمرين: هل نفرق بين الاموال الجديدة والاموال الموجودة في المصارف، ام نعتبرها مثل بعضها البعض؟”.

ويبدو أن الضوابط والاستثناءات التي تتم مناقشتها في اللجان لا تزال موضع اعتراض من عدد كبير من النواب، وهو ما أشار اليه بو صعب بقوله إن “قانون الكابيتال كونترول وُضع للأموال الموجودة في المصارف. وارتأينا، وهو المنطق الافضل، ان علينا ان نفرق بين اي اموال جديدة تأتي الى لبنان سواء أكانت للاستثمارات ام من الاهالي التي تحوّل الى عائلاتهم في لبنان، هذه الاموال تبقى محررة، وهذا امر مهم لأننا لا نستطيع ان نقيم حركة اقتصادية جديدة اذا كنا سنكبل كل الاموال الجديدة التي تأتي من الخارج، فحينها لن يحوّل احد. في الوقت عينه، نعمل بطريقة من دون ان نقول الاموال الموجودة في المصارف، وهذه الهواجس كانت لدى بعض الزملاء النواب. اما ان يقال إن الاموال الموجودة في المصارف حذفت، فهذا الامر غير مقبول وغير منطقي، ولكن للتمييز لنقول إننا نريد تحريك الحركة الاقتصادية، واذا استطعنا تحريكها، فالمصارف المؤتمنة على اموالنا ستبدأ العمل بطريقة ما لتستطيع دفع الاموال”.
وفي السياق، سأل النائب غسان سكاف عبر “النهار” كيف يمكن تشجيع المستثمرين في الخارج إذا كان يُمنع عليهم تحريك اموالهم واخراجها من لبنان؟”، معربا عن اعتقاده أن “لبنان سيصبح مقبرة للأموال التي تأتي من الخارج، في حال انعدمت مقومات الاقتصاد الحر، عبر اقرار هذا المشروع”. وإذ رأى أن “الضوابط والاستثناءات التي توضع على مشروع الكابيتال كونترول تقوّض عملية الصادرات اللبنانية وتقوض الاقتصاد الحر وتشجع التهريب”، حسم مؤكدا “هكذا كابيتال كونترول لن يمر والغالبية النيابية لن تصوت على اقراره، وذلك بغض النظر عن أهميته بالنسبة الى صندوق النقد الذي سيمنحنا 3 مليارات دولار، ولكن في المقابل سندمر نظامنا الاقتصادي بأكمله”.

وقال: “سيشكلون لجانا تدرس الملفات الطبية للمواطن وتقرر من بعدها اذا كانت حالته تستأهل الطبابة في الخارج أم في لبنان… هذه خزعبلات، خصوصا في بلد تغيب فيه استقلالية القضاء وتحل محلها جزر قضائية”.

وإزاء تجدد المحاولات في #اللجان النيابية لإصدار هذا القانون، يطرح كثيرون سؤالا مركزيا تتعدد الأجوبة والاجتهادات بشأنه: هل لا يزال لهذا القانون الذي يُعرف باسم “الكابيتال كونترول” أي فائدة بعد 3 سنوات من التأخر في اعتماده؟

يشير الخبير المصرفي الدكتور غسان العياش لـ”النهار” الى “بعض الحجج التي تساند صدور القانون في مقابل أخرى تقلل من فائدة صدوره بعد التأخير الكبير”. فاعتماد القانون برأيه “ضروري لأسباب عدة، منها ان هذا التشريع هو من الشروط الأساسية المطلوبة من صندوق النقد بموجب البرنامج المتفق عليه مع الصندوق على مستوى الموظفين. ورغم أن القرض الموعود لم يعد يساوي شيئا يذكر قياسا بحجم الخسائر في النظام المالي، فهو لا يزال عنصرا مهما لكونه يفتح أمام الدولة أبواب القروض والمساعدات من مصادر التمويل الخارجية”.

وفي حال توصل الدولة إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد، يأمل العياش أن “تجد الدولة نفسها مضطرة إلى تطبيق الإصلاحات تحت رقابة وضغوط صندوق النقد. إضافة إلى ذلك فإن “الكابيتال كونترول” فقد الكثير من أهميته نتيجة التأخر في إقراره، فلم يعد قادرا على تحقيق الغاية الرئيسية منه وهي حماية الأموال في المصارف ومصرف لبنان وادخارها لمصلحة المودعين في المصارف اللبنانية، وتضييق خسائر القطاع المالي، أو ما سُمي في مشاريع التعافي الحكومية الفجوة المالية”.

ويأمل العياش أن يعالج صدور القانون الكثير من الإشكاليات التي دارت حولها نقاشات حامية أخيرا، من بينها الجدل حيال تحديد ماهية الودائع الجديدة والامتيازات التي ستحظى بها الودائع الجديدة بالعملات. فهذا النمط من التدبير مفيد للاقتصاد اللبناني، كونه يساعد الأفراد والمؤسسات على حل مشاكلهم العملية. لكنه استدرك بالقول إن “بعض النقاشات أوحى بوجود مبالغات لدى البعض، اذ اعتبروا أن حسابات الفريش ستتطور ويكبر حجمها بحيث يبنى عليها نظام مصرفي جديد واقتصاد جديد”. وهذا برأي العياش “وهم، لأن وجود أزمة تتعلق بالودائع الأخرى لن تشجع المودعين الجدد على زيادة ايداعاتهم عبر حسابات الفريش وسيبقى لديهم حذر من معاملة ودائعهم الطازجة في المستقبل بنفس معاملة الودائع القديمة”.

وتناول العياش الأموال التي هدرت خلال فترة التأخير والمماحكات النيابية والحكومية، مشيرا إلى أن موجودات مصرف لبنان النقدية بالعملات الأجنبية بلغت نهاية سنة 2018 نحو 32 مليار دولار وقد انخفضت في شهر أيلول الماضي إلى 10.7 مليارات دولار، وفقا للمعلومات، أي بانخفاض قدره 22 مليار دولار. يضاف إلى ذلك الموجودات الخارجية للمصارف التي كانت تساوي 35 ألف مليار ليرة أي 23 مليار دولار بحسب السعر الرسمي قبل تعديله، وانخفضت إلى 4 مليارات دولار حاليا بحسب الميزانية الموحدة للمصارف اللبنانية. أي أن مجموع التراجع في الموجودات النقدية لمصرف لبنان بالعملات الأجنبية إذا أضفنا إليها التراجع في الموجودات الخارجية للمصارف تكون حصيلة التراجع 41 مليار دولار، ما يشكل 43% من خسائر النظام المالي، وضمناً أموال المودعين.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى