أخبار لبنانابرز الاخبار

مناهج تربوية جديدة خارج التوظيف والمحاصصة!

تقدّم النسخة الخامسة والنهائية للإطار الوطني للمناهج التربوية مقاربة أكثر اتصالاً بلبنان وأزماته المتلاحقة. أدخلت تعديلات مهمّة وأساسية في النصّ الذي صيغت منه خمس مسوّدات بعد توسيع اللجان وموافقة الهيئة العليا للمناهج على المسوّدة النهائية التي سيطلقها وزير التربية عباس الحلبي رسمياً منتصف الشهر الجاري.

وبعيداً عما يشاع عن تمويل إعداد الإطار الوطني والحديث عن التسرّع في إنجازه، لا يمكن للوثيقة أن تجيب عن كل التساؤلات، فإعداد مناهج تربوية جديدة هو حاجة للبنان والتربية ولا يتعارض مع الخطط الموضوعة لحل الأزمات التي سببها الانهيار في البلد وانعكست على المدارس والمعلمين الذين يعيشون أوضاعاً صعبة.

الواقع أنه مهما تضمّنت خطة المناهج والإطار الوطني فستبقى البنود المطروحة تستوجب النقاش وما إن كانت تجيب على كل قضايا البلد في أزماته المتعددة. فالإطار الوطني بما هو خطة يشخّص الواقع الراهن والقضايا والمشاكل #التعليمية كما اتفق على صياغتها في الهيئة العليا للمناهج، فكل القضايا هي على صلة وثيقة بالمناهج، إذا اعتبرنا أن المنظور الوطني الذي ينطلق منه الإطار ركّز على الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة التي تُظهر وجه لبنان السيد الحر المستقل النهائي لجميع أبنائه. فلبنان العربي الهوية المنتمي إلى المنطقة العربية كان على امتداد تاريخه مختبراً للتلاقي والتعايش والتعاون، وقدّم نموذجاً حضارياً يعترف بالتنوّعات، كما لم يخلُ في محطات أخرى، من الانزلاق إلى انقسامات وصراعات مدمّرة بفعل عوامل داخلية وخارجية أو بفعل نزعات التطرّف والتعصّب الطائفي والزبائني بين مكوّناته حيناً وداخل المكوّن الواحد حيناً آخر.

ولعل التعديلات البارزة في النسخة النهائية ستنعكس على المسارات التي يضعها لإعداد المناهج. فلبنان المتنوّع شكّل في جوهر هويته النقيض الحضاري للكيانات العنصرية والمتطرّفة، وقد ترك الاحتلال الصهيوني لفلسطين تداعيات خطيرة على سيادته وسلمه الأهلي وتماسكه الداخلي منذ نشأته، إذ تعرض للعدوان المتكرّر على أرضه وشعبه ومؤسساته وصولاً إلى احتلال عاصمته، والتهديد الدائم لأمنه وثرواته. ولأن ثقافة مقاومة الاحتلال مترسخة عند اللبنانيين، فقد قاوموا جيشاً وشعباً عبر تاريخهم كل أنواع الاحتلال وحرروا أرضهم.

تتطرق النسخة النهائية للإطار إلى الأبعاد الداخلية للتوترات والأزمات التي يعاني منها اللبنانيون ومظاهر الفساد التي تغلغلت في مجالات حياتهم، وهنا يتأكد الدور المنشود للمناهج في التربية على المواطنة البانية لدولة الحق والقانون، فضلاً عن دور المناهج في تربية المتعلمين وتعزيز المساءلة ومشاركتهم في الشأن العام. وبالاستناد إلى المفهوم الذي ينطلق منه الإطار الوطني وإبرازه الحاجة الى منهاج جديد، لا تظهر الصورة واضحة في تحديد نقاط التعثر في المناهج الحالية التي أقرت عام 1997 وقصورها، وهو أمر يحتاج إلى التدقيق عند إعداد المناهج الجديدة، إذ لا يمكن البدء من التفسير السابق ذاته للتطوير، وإخضاعها لمسار التقويم ووضعها على مشرحة النقد للخروج بمنهاج تعليمي جديد.

التعامل مع إنجاز الإطار الوطني في صيغته النهائية، يجب أن ينطلق من مقاربة مختلفة للتطوير وتصويب المسارات في إعداد المناهج. كيف يمكن مثلاً تعزيز عملية التقييم وإخراج التعليم من دائرة الحفظ والتلقين، ثم تحديد أسباب تراجع أداء التلامذة اللبنانيين في الاختبارات الدولية ووضع طرق جديدة لتعليم الرياضيات والعلوم والفنون وغيرها. والأهم تحديد دور المعلمين وإخراج العامل السياسي الذي يتحكم بتعيينهم على أساس التنفيعات والتوظيف، وأن تكون المناهج الجديدة مدخلاً لتعزيز التعليم الرسمي وتقليص الفروقات مع الخاص.

استخلاص الثغر في الوثيقة يكون بمقاربة نقدية لعملية إعداد مناهج المواد. الخلفية هي الجمع بين المتعلم الفرد والخيارات الاجتماعية التي تنطلق من إعادة بناء مشروع التربية في لبنان، وقطع الطريق على محاولات القوى السياسية لتوظيف ورشة المناهج بالمحاصصة. وليجرِ العمل على إعداد مناهج غنية تقطع مع الوضع القائم وتخرج من السياق القديم نحو آفاق الحداثة الرحبة.

بواسطة
إبراهيم حيدر
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى