المناكفات السياسيّة لا تؤدّي الى انتخاب رئيس بل الى تغييب الدور المسيحي الفاعل!! لا اتفاق بين الأحزاب المسيحيّة… المطلوب التوافق بين «التيّار الوطني» و «القوّات» (الديار ٢٩ تشرين الثاني

رفضت الأحزاب المسيحية دعوة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي للحوار، على اعتبار أنّه من يجب أن يدعو الى هذه الطاولة هو رئيس الجمهورية، حتى قام برّي بإلغاء مبادرته الحوارية. وكان سبق لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن دعا قبل انتهاء ولايته الى طاولة حوار في قصر بعبدا، غير أنّ قوى عدّة رفضت تلبية هذه الدعوة لاعتبارات مختلفة. ولكن قد تكون المرة الأولى التي يتفق فيها كلّاً من «التيّار الوطني الحرّ» و»القوات اللبنانية» على موقف واحد تجاه رفض الحوار، لا سيما في ظلّ فترة الشغور الرئاسي القائمة منذ أول تشرين الثاني الجاري. ولكن ما هي البدائل التي قدّمتها الأحزاب الرافضة للحوار، لكي يُصار الى التوافق على انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية هذا الخميس الذي سيشهد جولة ثامنة من الإنتخاب؟!
مصادر سياسية مطّلعة أكّدت أن لا إتفاق حتى الآن بين الاحزاب المسيحية، ولو تحقّق ذلك، لكان بإمكانها الإتيان بالمرشّح الذي تتفق على انتخابه للرئاسة. فرئيس «حركة الإستقلال» النائب ميشال معوّض، على سبيل المثال، كان يُمكن أن يحظى بأصوات نوّاب تكتّل «لبنان القوي» لو لم يُعلن نفسه كمرشّح تحدّ ومواجهة، سيما وأنّه كان عضواً في هذا التكتّل في المجلس النيابي السابق وقدّم استقالته من التكتّل ومن المجلس على أثر انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 لينضمّ الى صفوف المعارضة. غير أنّ تصنيف نفسه كمرشّح «القوّات اللبنانية»، أعاده الى المنظومة السياسية، وجعل «التيّار الوطني الحرّ» غير مقتنع بانتخابه للرئاسة. وهذا يعني بأنّ الحزبين المسيحيين الأكبرين ماضيان في المناكفات السياسية، بدلاً من التحاور والتوافق فيما بينهما على إسم الرئيس الجديد للجمهورية.
وتقول المصادر بأنّ التلاقي بين تكتلي «لبنان القوي» و»الجمهورية القوية»، لا يُمكن أن يحصل قريباً، رغم وجود تقارب فكري بين نوّاب عدّة من كلّ من الطرفين، لا سيما وأنّ كلّ منهما يرى مواصفات الرئيس المقبل للجمهورية من وجهة نظره، ومن رؤيته المستقبلية للبنان التي تختلف عن نظرة الآخر. وقد حاول البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي جمع القيادات المسيحية في بكركي للتحاور فيما بينها، غير أنّها رفضت كون لا قواسم مشتركة في وجهات نظرها، ليتمّ الإتفاق عليها.
في الوقت نفسه، تجد المصادر نفسها أن لا شيء تغيّر، حتى يتمكّن أي رئيس جديد سيُنتخب من إيجاد الحلول للأزمات اللبنانية بعصا سحرية. فالعقد السياسي الجديد الذي نادت به فرنسا على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون لم يتحقّق، رغم محاولته إيجاد موافقة إقليمية ودولية على هذا الأمر. كما أنّ مراهنة الكثيرين على أنّه فور مغادرة الرئيس عون قصر بعبدا، ستتحسّن الأمور في البلاد، وسينخفض سعر صرف الدولار الأميركي، وكأنّ الرئيس عون هو الذي تسبّب بالإنهيار الإقتصادي والمالي، قد فشلت أيضاً، إذ يستمرّ سعر الدولار في الإرتفاع، وتزداد الأمور المعيشية تعقيداً أكثر فأكثر مع تثبيت سعر الدولار الجمركي على 15 ألف ليرة لبنانية بدلاً من 1500. وتتجه جميع الأزمات في البلاد الى المزيد من الإنهيار في ظلّ الشغور الرئاسي، وفي ظلّ حكومة تصريف الأعمال التي لا يُمكنها القيام سوى تسيير شؤون المواطنين بالمعنى الضيّق.
من هنا، أشارت المصادر الى أنّ الإستمرار في المناكفات السياسية لن يؤدّي الى انتخاب رئيس للجمهورية لا هذا الخميس، ولا في جلسات الإنتخاب اللاحقة، طالما أنّ التوافق غير قائم، ولا أحد يسعى الى التوصّل إليه، وما دامت الدورة الأولى من كلّ جلسة انتخاب تُقفل بعد تعطيل النصاب القانوني. وكان لفت البطريرك الراعي الى هذا الأمر من روما، عندما قال في عظته الأحد المنصرم من كنيسة مار مارون أن «ان لا عرف مضاداً للدستور، والدستور بمادته 49 ينصّ عن أنّ الرئيس يُنتخب بثلثي الأصوات في الدورة الأولى، وفي الدورة التالية وما يليها بالأغلبية المطلقة (أي النصف زائداً واحداً)»، متسائلاً:. «لماذا إقفال الدورة الأولى بعد كلّ اقتراع وتعطيل النصاب في الدورة التالية خلافا للمادة 55 من النظام الداخلي للمجلس»؟ كما أشار الراعي الى أنّه «لا يستطيع المجلس النيابي مواصلة التلاعب والتأخير المتعمد في انتخاب رئيس للدولة يؤمّن استمرارية الكيان والمحافظة على النظام»، متهماً النوّاب بمحاولة محو الدور الفاعل المسيحي عامة والماروني خاصة.
فالمطلوب أن تحافظ الأحزاب المسيحية على الدور المسيحي الفاعل في لبنان، على ما عقّبت المصادر، ولا بدّ لتأمين ذلك من أن يتوافق «التيّار الوطني الحرّ» و»القوّات اللبنانية». فكلّ شيء ممكن أن يحصل من أجل إنقاذ الوطن، وإحياء «إتفاق معراب» يصبح ضرورة عندما تتجه الأمور نحو تغييب الدور المسيحي لأشهر عدّة، ولما بعد رأس السنة المقبل. فمع صعوبة ترشيح كلّ من رئيس «التيار الوطني» النائب جبران باسيل، ورئيس «القوّات» سمير جعجع للرئاسة، كلّ لأسباب عدّة، لا بدّ من أن يتفق الإثنان على إسم المرشّح المقبول من قبل الشعب اللبناني عموماً، ومن قبل المسيحيين خصوصاً للرئاسة، ومن غير المقبول ترك القرار للكتل النيابية الأخرى المعنية بانتخاب كلّ من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النوّاب.
ورأت المصادر عينها بأنّ البطريرك الراعي في حال طالت المناكفات السياسية، سيدعو القيادات لا سيما المسيحية منها الى تحمّل مسؤوليتها تجاه الشعب اللبناني، والتوافق من أجل تسمية رئيس للجمهورية. فالبلاد لا يُمكن أن تستمر مع كلّ الأزمات التي تعصف بها من دون رئيس، ومن دون حكومة فاعلة وذات صلاحيات كاملة، لأنّ الشعب لم يعد يحتمل المزيد من الإنهيار ومن التبعات الملقاة على كاهله، ولا من يسأل أو يعمل لحلّ هذه الأزمات للتخفيف عنه بعض الشيء.
أمّا السعي للجمع بين الحزبين المسيحيين الأكبرين، فيجب أن يحصل عن طريق طرف ثالث بهدف إنقاذ لبنان، وعدم تركه لمصيره المجهول، الذي إذا طال كثيراً سيؤثّر حتماً على كيانه وهويته وديموغرافيته. وهذا ما لا يُمكن أن توافق عليه القيادات المسيحية إذا كانت تهمّها مصلحة لبنان أولاً قبل مصالحها الشخصية.



