خاص – لماذا أضحى تصحيح اختلالات القطاع العام أمراً ملحاً لإرساء أي توازن اقتصادي؟

كتب الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو:
لا شك في أن تصحيح اختلالات القطاع العام في لبنان يعدّ أمراً ملحّاً. إذ لا يمكن للبنان أن يرسّخ استقراراً نقدياً ومالياً مع نسبة مديونية ونسبة في العجز المالي العام إلى الناتج بين العشر الأول في العالم.
في هذا السياق، لقد كان هناك بعض الجهود في ما يتعلّق بإقرار الموازنة العامة وخطة إصلاح قطاع الكهرباء لكنها بالتأكيد لم تكن كافية لسدّ منافذ الهدر في المالية العامة والتي تعتبر من أبرز أسباب تأزم الواقع الاقتصادي والمالي والنقدي في البلاد. إذ كان يجب أن تترافق هذه الجهود مع مزيد من التقدّم على مسار الإصلاحات الهيكلية لاسيما على صعيد التقشف في الإنفاق العام إلى تعزيز نسب تعبئة الموارد وتحفيز تحصيل مداخيل الدولة، عوضاً عن الاستمرار في دوامة طباعة الليرات لسداد أجور القطاع العام والمستحقات الأخرى المطلوبة من الدولة اللبنانية. إذ طالما أن الثقة مفقودة وطالما أن المصرف المركزي يواصل طباعة الليرة اللبنانية في ظل هذا التراخي المستهجن من قبل أصحاب القرار لناحية إطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية، فإن تحقيق التوازن المرجو في المالية العامة قد يبدو شبه مستحيل.

أضف إلى ذلك، يشكّل تقليص حجم القطاع العام وإعادة هيكلته أبرز تحديات الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، إذ أن الحكومات العتيدة ستواجه معضلة أساسية متمثلة بفائض الموظفين في الإدارة العام، إذ يُصنّف لبنان ثالث دولة عربية من حيث عدد موظفي القطاع العام، وهو بحاجة إلى صرف حوالي 100 ألف موظف من أصل 320 ألف موظف تقريباً، أضف إلى ذلك حوالي 100 مؤسسة عامة اتُفق على إقفالها في الحكومات المتعاقبة ولكن لم يتمّ بتّها حتى الساعة. بتقديرنا فإن هذه الخطوة يصعب إنجازها على يد الطبقة السياسية نظراً لما قد تسبّبه من نقمة شعبية عارمة وإفقار ممنهج في ظلّ الظروف الحالية المأزومة.
في الواقع، لعلّ هذه الخطوة تأتي في مرحلة متقدّمة بعد تطوير قطاع خاص منتج قادر على استيعاب جزء منهم، وقد يتطلّب تنفيذها سنوات من العمل حتى نصل إلى قطاع عام يتماشى مع إنتاجية الإدارة اللبنانية، ولكن إلى حينه فإنّ الدولة اللبنانية قادرة على تخفيف نفقاتها من دون المسّ بالموظفين ورواتبهم، وذلك إذا تم تنفيذ إصلاحات جذرية وبشكل ملائم على صعيد المالية العامة، ما من شأنه أن لبنان إلى مرحلة الاحتواء التدريجي للمخاطر الكامنة كشرط أساسي للنهوض الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل الأجل.



