موسم التفاح رهن العوامل الطبيعية وتقاعس الدولة! (الديار 23 تشرين الأول)
«من تنورين الى البترون» مُبادرة فردية لتصريف بعض الانتاج!

كتبت باميلا كشكوريان السمراني في ” الديار”:
لم ينتظر القطاع الزراعيّ في لبنان الأزمة الإقتصادية كي يبكي على أطلال أمجاد زراعية تغنّى بها لبنان في القدم وصدّر الأطنان من منتوجاته، فالأزمة الزراعية بدأت منذ زمن، والمزارعون يرفعون الصوت منذ سنين من أجل تصريف إنتاج المزروعات كافة من البطاطا الى البندورة والموز، وأهمّها التّفاح الذي يزيّن في تشرين أسواق الخضر ويصبغها بين الأصفر والأحمر، إلّا أنّ الأزمة الحقيقية تبقى في تصريف أطنان هائلة من التفاح، وإلّا افترش الموسم الأرض وبات لياليه فيها حتى يفنى!
يعاني التفاح اللبناني ارتفاع كلفة الإنتاج والمنافسة في الأسواق المحليّة والعربية، وتقاعس الدولة في تمويله وتأمين برادات لحفظه لكيلا يباع بأبخس الأثمان كما حصل في الأعوام الماضية ، كما يعاني بسبب التأثير السلبي لعوامل المناخ وظهور أصناف جديدة مرغوبة أكثر من الأصناف اللبنانية المعتادة.
باتت زراعة التفاح في لبنان رئيسية في الخمسينيات من القرن الماضي، خصوصا في المناطق الجبلية، تبلغ المساحة المزروعة بأشجار التفاح في لبنان حوالى 9411 هكتارًا أي ما يعادل 4.16% من المساحة المخصّصة لزراعة الأشجار المثمرة، وتتركّز هذه الزراعة في محافظات جبل لبنان والبقاع والشمال، وفي بعض بلدات الجنوب (خصوصًا قضاء جزّين). وقد اشتهرت في الأسواق العالمية بجودتها العالية. ولكن زراعة التفاح تراجعت لاحقًا لأسباب عديدة أبرزها قدم الأصناف المزروعة وانخفاض إنتاجيتها، تشتّت الحيازات الزراعية وصغر حجمها خصوصًا في مناطق جبل لبنان، ما أدّى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وعوائق في التسويق.
تحتل هذه الزراعة اليوم المركز الثاني في لبنان بعد زراعة الحمضيات لناحية حجم الإنتاج الذي يبلغ حوالى 150 ألف طن سنويًا حسب الإحصاءات المتوافرة لدى وزارة الزراعة، ولكن حجم الإنتاج قد يزيد أو ينقص كما حصل بين العامين 2002 و2005 حيث انخفض إلى نحو 115 ألف طن. أمّا لناحية التصدير فنسبة تصدير التفاحيات لا تتعدّى الـ 12 إلى 15% من مجمل الإنتاج، وأهم البلدان المستوردة هي مصر والسعودية والكويت. ويحتل التفاح المرتبة الأولى في الميزان التجاري للفاكهة اللبنانية حيث بلغت قيمة الصادرات نحو 6.11 مليون دولار العام 2007.
حملة «من تنورين الى البترون»
ومع بسط الإنهيار الإقتصاديّ سلطته على البلاد منذ عام ونيّف، يتأثّر تصريف إنتاج التفاح اللبناني بشكل كبير كغيره من القطاعات التي فقدت توازنها، فكان لا بدّ من الإتّكال على المبادرات الفردية لنشل ما تبقّى من القطاع.
«من تنّورين الى البترون» بدأ المشوار، رحلة مبادرة فردية لشباب البترون دعماً ومساهمة في تصريف الإنتاج، فقد قام شباب وشابات البترون و بمبادرة من فريق «بترون – تايمز» بتوزيع كمية من التفاح على صيادي البترون وعدد من عائلات المدينة، حيث سّلم المحامي اسطفان عسّال باسم المجموعة، رئيس تعاونية صيادي الاسماك والسياحة والتراث جورج مبارك التفاح في مركز التعاونية في حرم مرفأ الصيادين في المدينة.
وفي حديثّ خصّ به «الدّيار» التي واكبت الحدث، أّكد عسال أن «الفكرة انبثقت من صرخة مزارعي التفاح في تنورين وجرد البترون وأزمة التصريف والتبريد وكلفة الانتاج في ظل غياب تام للدولة والمسؤولين المعنيين. وقد قمنا بهذه المبادرة وفقا لامكاناتنا المتواضعة بهدف الوقوف بجانب المزارعين الذين نتشارك معهم الهموم والمشاكل والمعاناة والوجع نفسه.»
اضاف: «وبعد الكثير من الكلام والتصريحات والدعم المعنوي الذي نسمعه من جميع مرجعيات المنطقة للمزارعين والذي بقي كلاماً في الهواء لم يُبرهن بأيّ تطبيق فعلي، أردنا أن تكون هذه اللفتة تجاه مزارعي التفاح في الجرد حيث اشترينا كمية من تفاح تنورين وسنقوم بتوزيعها على الصيادين والجمعيات الأهلية البترونية على مدى خمسة أيّام علّنا بذلك نكون قد ساهمنا في دعم المزارعين والصيادين على حدّ سواء».
وعمّا إذا كان شباب المدينة يتطلع لإطلاق مبادرات مماثلة في مجالات أخرى يقول عسّال: «بطبيعة الحال، تأتي مبادراتنا بشكل فردي وبحجم بسيط نسبة للأصول التي يحب أن تُطبّقها الدّولة، التي لا يمكننا أن نأخذ دورها إنّما يمكننا التعويض عنه بمبادرات صغيرة لها معنى إنساني وطني خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي نمرّ بها في لبنان. وبالطبع سنكون بأتمّ الجهوزية من أجل إطلاق مبادرات عديدة تصبّ في مصلحة أهل مدينتنا الغالية تماماً كمبادرة توزيع التفاح التي نقوم بها اليوم والمبادرات الأخرى العديدة التي كنّا قد قمنا بها سابقاً».
صرخة المزارعين تعلو
فارس، وهو أحد المزارعين التنّوريين الذين يتّكلون على موسم قطاف التّفاح وتصريف انتاجه من أجل العيش والتحضير لموسم جديد في العام المقبل، قال بحسرة لـ»الديار»: «نصبّ الجهود كافّة ونعتني بأشجارنا من تلقيح وتعقير وفلح وعناية مشّددة من أجل أن نحصد موسماً غنياً ونحافظ على نوعية عالية الجودة اعتاد لبنان أن يبرزها في تفاحه، إلّا أنّ الزمن تبدّل وخسر التفّاح اللّبناني قيمته لأنّه فقد دعم الدّولة منذ سنين عديدة».
وعن المشاكل التي يواجهها مزارعو التفّاح في لبنان يفنّدها فارس بالآتي: «نحن كمزارعي تفاح نعاني من مشاكل عديدة تجعلنا عاجزين عن الاستمرار في الحفاظ على هذا الموسم المهم، إذ ان أتعابنا تذهب سدى ونضطرّ إلى بيع إنتاجنا بأقل من سعر الكلفة في أحيان كثيرة لأننا نعاني من منافسة التفاح المستورد، فيما الأسواق الخارجية شبه مقفلة أمام سوق التفاح اللبناني لأنه غير قادر على المنافسة لارتفاع كلفة الإنتاج أو بسبب الإضطرابات في أسواق عربية كانت تشكّل وجهة رئيسة للتصدير مثل الأسواق المصرية والعراقية والليبية. كذلك يعاني التفاح اللبناني واقع غياب الخطط الرسمية المدروسة في ما يتعلق بكلفة إنتاجه أو تخزينه وتصريف محصوله».
اضاف: «كما أنّنا نعاني لوجيستياً من عدم وجود برّادات لتخزين التفاح فإنّ وجود برادات في جميع المناطق الزراعية اللبنانية يساهم إلى حد كبير في تخفيض كلفة الإنتاج إذ يوفّر على المزارعين نفقات النقل ومشتقاته، والأهم من ذلك، أنه يؤمن الحفاظ على موسم التفاح بحيث لا يضطر المزارعون إلى بيعه بسعر هو دون سعر الكلفة بكثير كما حصل العام الماضي وقبله.
فنحن كمزارعين نقف مكتوفي الأيدي أمام مواسمنا التي تفنى أمامنا كمن يتفرج على ابنه المريض ولا يملك القدرة على معالجته أو نقله للاستشفاء».
وعن رسالته للدّولة وللمعنيين يقول فارس:» أعلم أنّ صوتي لن يمسّكم، إلّا أنني سأشفي غليلي وأقوم بواجبي، أنقذوا قطاعنا الذي يدرّ للخزينة اللّبنانية ملايين الليرات في حال تمّت مراعاته وبرمجته».
في الجهة المقابلة، يشير عدد من الفاعلين في قطاع تصدير الفاكهة إلى ضرورة تغيير الروزنامة التقليدية واستبدالها بأخرى. على سبيل المثال، فالصنفان «غولدن» و»ستاركن» لم يعودا مرغوبين عالميًا، بل تغيّرت متطلّبات السوق، وبات الطلب يتركّز على أصناف أخرى. يضاف إلى ذلك عدم التقيد أحيانًا بالمواصفات العالمية المطلوبة، ما يمنع التفاح اللبناني من دخول بعض الاسواق في ظلّ الحديث المتزايد عن تراجع أسهم سوق التفاح اللبناني، الا ان الذواقة يعرفون جيداً أن مذاق التفاح اللبناني التقليدي لا يضاهى بأي نوع أجنبي آخر. فهل سيعمل السياسيون المعنيون على أجندة زراعية للاصلاح البيئي والزراعي في لبنان؟ وإلى متى سيكافح المزارع وحيدا ليثبت في أرضه وهو يتكبد الخسائر سنة بعد سنة؟



