خاص – إنهيار الليرة بين الثمانينات واليوم .. إليكم أوجه التشابُه والإختلاف!

من المؤسف أن الإنهيار الذي يعيشه لبنان ليس الأول، إذ عايش لبنان إنهياراً مماثلاً في الثمانينات. فهل يتكرر السيناريو والتداعيات نفسها في 2022؟ وهل سنتمكن من الخروج من هذه الأزمة؟ ما هو السبيل لإستعادة العملة الوطنية عافيتها؟
وما هي أوجه الشبه بين الإنهيارين؟

لفت مدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية د. فادي قانصو في حديث الى موقعنا leb economy
انه “خلال السنوات الممتدّة بين عامي 1985 و1992، شهد سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار تدهوراً لافتاً من حوالي 6 ليرات للدولار إلى 2,700 ليرة للدولار، أي ما يوازي 450 ضعف. لتفقد الليرة اللبنانية حينها كافة وظائفها. إذ فقدت دورها كأداة تداول حيث وصلنا إلى مرحلة أصبحنا بحاجة إلى كميات كبيرة من النقد لأبسط أنواع التسوق. كما فقدت الليرة دورها كوحدة محاسبة لأن تدهور سعر الصرف جعل قراءة البيانات المالية بالعملة المحلية يفقد مصداقيته. وفقدت الليرة دورها كعملة ادخار لأن دولرة الودائع بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق أي 92% خلال تلك الفترة نتيجة التحويلات من الليرة اللبنانية إلى الدولار. وفقدت أخيراً الليرة دورها كأداة إقراض لأن المصارف امتنعت عن إعطاء قروض بالليرة اللبنانية في ظل سوق قطع متدهور بإطراد، لأن المقرض يخسر والمقترض يربح من تردي سعر الصرف، فأصبحت دولرة التسليفات تناهز 85% في نهاية العام 1990.”
واشار قانصو إلى أنه “في الفترة التي تلت العام 1992 وحتى العام 2019، أي بعد انتهاء الحرب اللبنانية ومع تعزّز عامل الثقة مجدّداً وتدفق الرساميل نحو الإقتصاد الوطني، تحسّن سعر الصرف نسبياً ليستقر عند حدود الـ1,500 ليرة للدولار منذ العام 1997 وحتى العام 2019. فاستعادت الليرة اللبنانية تدريجياً خلال تلك الفترة أدوارها الأربعة التقليدية، إما كلياً أو جزئياً. إذ استعادت الليرة دورها كأداة للتداول حيث عادت تجري التبادلات التجارية على نحو متزايد بالعملة الوطنية. واستعادت الليرة اللبنانية دورها كوحدة محاسبة، فالليرة وبعد سنوات طويلة من الاستقرار، وتحديداً تجاه الدولار المرتبطة به عضوياً، صارت تُعتمد أكثر فأكثر للأغراض المحاسبية. كما استعادت الليرة اللبنانية دورها جزئياً كعملة ادخار”.
ووفقاً لقانصو “في مناخ من الإستقرار النقدي، المدعوم بمستوى كبير من الإحتياطيات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان حينها، أقدم المودعون والمستثمرون بوتيرة متزايدة على تحويل وفوراتهم بالعملات الأجنبية إلى الليرة اللبنانية والإستفادة من الفارق المغري في معدلات الفائدة الدائنة. كذلك فإن الليرة اللبنانية استعادت جزئياً دورها الرابع، وهو الدور الإقراضي، أو العملة الناشطة في التسليف. ففي الواقع، وحتى نهاية العام 2018، كانت حصة العملات الأجنبية من مجموع تسليفات المصارف اللبنانية تشكّل حوالي 67% خصوصاً بعد الرزم التحفيزية التي أطلقها مصرف لبنان بالليرة اللبنانية في غضون السنوات الماضية”.
وإعتبر قانصو إنه “منذ العام 2020، شهدنا فقدان لعامل الثقة في ظلّ التخبّط السياسي الذي شهده لبنان، ومع دين عام قارب الـ100 مليار دولار (في حين لم يكن يتجاوز الـ4 مليارات دولار في العام 1992)، ناهيك عن تراجع حركة الأموال الوافدة إلى لبنان والذي ضغط على ميزان المدفوعات ليسجّل عجوزات كبيرة في العامين المنصرمين، بالتوازي مع انخفاض في احتياطيات مصرف لبنان السائلة إلى ما دون 11 مليار دولار وخلق نقد بالليرة اللبنانية في ظل تنامي العجز المالي للدولة، فإن سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار عاد ليشهد تدهوراً من 1,500 ليرة للدولار إلى حوالي 38,000 ليرة للدولار، أي ما يوازي 25 ضعف (بالمقارنة مع 450 صعف بين عامي 1985 و1992)”.
ورأى قانصو أن “فداحة الإختلالات البنيوية القائمة اليوم تُنذِر بأزمة إقتصادية ومالية ونقدية أكثر قساوة من أزمة الثمانينات، إذ أن الأزمة الحالية تبدو أكثر تشعباً من أزمة ماكرو إقتصادية إلى أزمة مصرفية ونقدية وأزمة في المالية العامة، ناهيك عن التضخم المفرط بحيث من المتوقع أن يسجل لبنان أعلى نسب تضخم في العالم.”
وأشار قانصو إلى أن “الليرة اللبنانية فقدت 3 أدوار منها لغاية الساعة، أي أداة للإقراض ووحدة محاسبة وأداة للادخار، في حين أن آخر وظيفة متبقّية، أي أداة للتبادل، بدأت تُحتَضر وهي في مرحلة الموت السريري، إذا ما استمرت التقلبية اللافتة في سعر الصرف”.
و شدد على أن “الرهان اليوم يبقى على تفعيل عجلة الإصلاحات الهيكلية الضرورية الكفيلة بتعزيز عامل الثقة بشكل عام، وهو ما يتطلّب تحسّناً ملموساً على صعيد المناخ الداخلي العام مع ما يمثّل من حجر أساس لإستعادة إنتاجية المؤسسات اللبنانية من جهة، كما ويتطلّب انحساراً تدريجياً للعوامل الإقليمية المعاكسة ذات التداعيات السلبية على الساحة المحلية من جهة أخرى، كي يتحقّق الانفراج الاقتصادي المنشود.”
وتخوف قانصو من أن “يكون لبنان مقبلاً على مرحلة صعبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تتطلّب منّا أقصى درجات الوعي والحكمة، لاسيّما وأنها قد تفرض علينا تغييرات جذريّة في أساليب حياتنا وأنماط عَيشنا السابقة، قد تبقى معالمها راسخة لسنين طويلة”.



