أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

كيف يمكن استعادة الثقة بسندات اليوروبندز اللبنانية؟ (النهار 26 أيلول)

بعيداً عن المخالفة الدستورية لتقديم مشروع الموازنة العامة لعام 2022، وبغض النظر عن غياب الإصلاحات البنيوية والإنفاق الاستثماري، أو أي خطة لإعادة هيكلة وجدولة الدين العام بشقيه اللبناني والدولار، فشل مشروع موازنة عام 2022 في تحقيق أي توازن مالي، وأفضى إلى عجز قياسي بالليرة يراوح بين 12.7 و13.5 تريليون ليرة بحسب تقديرات لجنة المال والموازنة. ويسجل لبنان هذا العجز الكبير رغم الزيادات الهائلة للرسوم والتعريفات والضرائب من ضمنها دولار جمركي يراوح بين 12000 ليرة و14000 ليرة، في مقابل الزيادة في نفقات الحكومة على الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية التي ارتفعت 3 أضعاف بمقدار 11.5 تريليون ليرة.

مع تخلف الحكومة عن سداد استحقاقات الديون في آذار 2020، فقد لبنان القدرة على الاستدانة من الأسواق المالية العالمية لتمويل هذا العجز، ولم يبق له سوى الاقتراض من السوق المحلية. وحيث يتعذر على المصارف اللبنانية إيجاد الموارد المالية لتغطية عجز الموازنة نظراً لضخامة الأزمة المصرفية، لم يبق للحكومة سوى اللجوء إلى المصرف المركزي وتمويل هذا العجز من خلال زيادة حجم العرض النقدي، فيما تحول الحكومة هذه الكمية الإضافية من الليرة الى حسابات للناس في المصارف تسديداً للرواتب والاجور والمنافع الاجتماعية لموظفي القطاع العام وغيرها من النفقات.

أمام هذا الواقع يضيء الخبير الاقتصادي باتريك مارديني على 3 احتمالات:

– يُسمح لأصحاب الحسابات بسحب هذه الليرات من المصارف، فيرتفع الطلب على الدولار، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة وارتفاع معدلات التضخم.
– يحاول المصرف المركزي سحب كتلة الليرة عبر إعادة شرائها مقابل الدولار (عن طريق التعميم 161 مثلاً) فتكبر فجوة المركزي وتزداد خسائره، ما يزيد من خسارة المودعين.
– يحاول المصرف المركزي السيطرة على الكتلة النقدية بالليرة عبر وضعه قيوداً وسقوفاً على سحب هذه الليرات من المصارف وتحديد كوتا للمصارف كما يفعل اليوم، فتخسر الليرة المصرفية قيمتها مقارنة بالليرة النقدية، إذ يقتطع الصراف اليوم ما يراوح بين 10% و15% لتحويل شيك الليرة إلى ليرة نقدية بسبب القيود على السحب. وترتفع نسبة الاقتطاع مع زيادة الليرة في المصارف من جهة وعدم قدرة المواطن على سحبها من جهة أخرى. وفي المحصلة، فإنّ ما سيُعطى من زودات بيد سيؤخذ بالأخرى عن طريق خسارة الليرة لقيمتها وتكبير الفجوة المصرفية.

ويلاحظ مارديني غياب أي توجه أو نية لإعادة هيكلة دين القطاع العام في موازنة 2022 ولا سيما السندات الحكومية المقومة بالدولار أو ما يسمّى #اليوروبوندز، مشيراً الى أنه في أسواق مالية تعمل بشكل طبيعي، يمكن للمصارف بيع هذه السندات في السوق وجمع الأموال لسدادها للمودعين الذين يرغبون في سحب أموالهم، بيد أن المصارف، مع خسارة هذه السندات لقيمتها، فقدت القدرة على تلبية مطالبة المودعين بسحب ودائعهم، على نحو أجبرها على وضع قيود على الودائع بشكل تدريجي وصولاً إلى ما نحن عليه الآن. وقد انحدرت القيمة السوقية للسندات الحكومية المقومة بالدولار، أو ما يسمّى اليوروبوندز، إلى قرابة 20 سنتاً للدولار بسبب تعليق لبنان سداد استحقاقات الديون في آذار 2020. وقد خلق هذا التخلف مشكلة فورية لجميع حاملي هذه السندات ولا سيما المصارف اللبنانية. وقد انتهى المطاف بالمصارف إلى نقل جزء من هذه السندات إلى صناديق استثمار دولية مثل BlackRock وAshmore وFidelity Investments لتحسين شروط التفاوض مع الحكومة اللبنانية”.

من هنا يرى مارديني أنه “ينبغي على لبنان أن يسعى جاهداً للعودة إلى قائمة الدول ذات الجدارة الائتمانية واستعادة سمعته التي شوّهها تعليق الدفع على نحو غير منظم”. وكانت المصارف اللبنانية قد تمكنت من جذب جنى عمر اللبنانيين على شكل ودائع واستخدمت معظمها لتمويل القطاع العام من خلال شراء سندات خزينة أو إقراض مصرف لبنان. لذا، يبدأ الحل برأيه بتوحيد (consolidation) دين القطاع العام (بشقيه الحكومة ومصرف لبنان) وإعادة هيكلته، والخروج بفائض في الموازنة العامة يسمح بخدمة هذا الدين الكبير. عندئذ يعود التداول بالسندات الجديدة (المعادة هيكلتها) في السوق حيث يمكن للمصارف بيعها وإعطاء المودعين أموالهم عند حاجتهم إليها. ويمكن لفائض الموازنة (بالتوازي مع التفاوض مع الدائنين وإعادة هيكلة الديون) أن يستعيد الثقة، الأمر الذي سينعكس على سوق السندات، بحيث تصبح السندات قابلة للتداول مرة أخرى. وسيؤدي ذلك إلى تفعيل عجلة الدورة المالية، حيث سيكون المستثمرون عندئذ مهتمين بحيازة السندات التي تدفع فوائدَها حكومة يثقون بإمكانية سدادها لهم. وسيؤدي ذلك إلى إعادة السيولة إلى المصارف اللبنانية التي ستكون بدورها قادرة على بيع سنداتها متى احتاجت إلى الدفع للمودعين”.

أما وقد رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري جلسة إقرار موازنة عام 2022 إلى يوم الاثنين المقبل، بسبب فقدان النصاب، بعدما كانت الجلسة قد وصلت إلى مرحلة الموافقة على زيادة رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين بثلاثة أضعاف، وفي انتظار عودة النواب الى الاجتماع، يبقى القول “إن الإصلاحات المالية التي تخفض النفقات العامة مدماك أساسي لاستعادة الاستقرار. ولكن الموازنة ضاعفت النفقات من نحو 18 تريليون ليرة عام 2021 الى حوالي 38 تريليون ليرة في عام 2022، ما أدى الى الفشل في القضاء على العجز وتحويله إلى فائض وإظهار إشارات الالتزام باحترام مستدام وطويل الأمد لمحدودية الموازنة. واستمرت الحكومة الحالية بنهج العجز والاستدانة الذي أوصل البلد الى ما هو عليه، لذا تتحمل مسؤولية استمرار انهيار سعر الصرف وعدم قدرة المصارف على سداد ودائع زبائنها”.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى