أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

قصة التعويضات لمتضرري الحرب في الجنوب (النهار ٢٥ آذار)

مادة انقسام جديدة اقتحمت أخيراً المشهد السياسي اللبناني لتزيده احتقاناً على خلفية التعويضات المحتملة يوما ما لضحايا المواجهات الدائرة على طول الحدود الجنوبية مع اسرائيل، سواء منهم ذوو الضحايا والشهداء أو أصحاب المنازل والدُّور المهدمة أو المتضررة.
وليس خافياً ان هناك مَن يعزز فرضية ان الحكومة تعدّ العدّة الاحصائية اللازمة لدفع تعويضات سبق لرئيسها ان تعهّد دفعها عموما من دون الدخول في التفاصيل والآليات، وفي المقابل هناك مَن يبدي سلفاً اعتراضاً شديداً على مثل هذا الامر وينكره بل يعد بـ”محاربته” مستنداً الى نظرية يروّج لها ومفادها ان “الغُرم” ودفع التعويضات يقع على عاتق الجهة التي قررت وحدها فتح باب المواجهات مع عدو مدجج حتى أسنانه بآلية القتل والتدمير، من دون مشورة الحكومة أو عِلم المؤسسة العسكرية.

وهكذا، فان واقع الحال الانقسامي هذا يطلق نُذراً تشي بان موسم سجال عنيف قد انطلق للتو وسيأخذ مداه في المقبل من الايام ليضاف الى سجل من الخلافات والتجاذبات حيال معظم الملفات الداخلية إنْ لم يكن كلها.

مبتدأ تسعير هذه المادة تجسد قبل ايام في كلام نُسب الى رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر ضمَّنه ارقاماً مخيفة للخسائر الناجمة عن العدوان من جهة، وللتعويضات التي يتوجب على الدولة دفعها ساعة عودة الاستقرار من جهة اخرى، اذ قدَّر حيدر عدد البيوت المهدمة كليا بنحو 700 منزل مضافا اليها نحو 10 آلاف منزل تراوح أضرارها ما بين الدمار الجزئي والكلّي.
لكن عنصر المفاجأة تبدى في ما كشف عنه حيدر استطرادا واستدراكا عندما قال: ان المعلومات التي هي قيد التداول تشير الى ان الدولة تتجه لصرف مبلغ 20 ألف دولار تعويضا لكل عائلة فقدت شهيدا و40 ألف دولار حداً اقصى تعويضا عن كل منزل متهدم كليا.
وفي طيّات تصريحه هذا أشار حيدر الى ان مجلس الجنوب يواصل يوميا احصاء الخسائر والأضرار، وان صرف التعويضات يبدأ بعد انتهاء الحرب واعمال المسح النهائي والدقيق، وان صرف التعويضات هو من صلاحيات المجلس حصراً.

الى ذلك، اكد ان التعويضات عن الاضرار الزراعية ليست ضمن عمليات مسح الاضرار التي تنفذها فرق المجلس.

وعلى الأثر هبّت موجتان من الاعتراض والتساؤل:
الاولى هي عبارة عن رفض كلّي لمنطق التعويض حمل لواءه اكثر ما يكون قوى مسيحية ووجدت سنداً ودعماً من نواب وشخصيات.

الثانية هي عبارة عن تساؤلات موضوعية تركزت حول مصادر تمويل التعويضات وما سترتبه من اعباء اضافية على الخزينة التي تعاني اصلاً عسراً وشحاً.

المعترضون اعتمدوا منطقاً يقوم على الآتي:
لماذا يتعين على الدولة ان تدفع نفقات حرب لم تكن طرفا او شريكا في اعلانها؟ واين دور “#حزب الله” نفسه في هذا الوضع، ولماذا لا يكون هو المتكفل الحصري بالدفع والغُرم مادام هو اتخذ حصراً قرار فتح باب المواجهة ومضى الى حرب مستمرة منذ نحو ستة اشهر ألحقت افظع الاذى والضرر بنحو 50 بلدة حدودية كانت عامرة الى الأمس القريب؟

ولاحقاً اضيف الى هذا المنطق إسناد ودعم يتمثل في تساؤل ورد على لسان كثر ومفاده ان الدولة التي تدفع تعويضات باهظة لمتضرري الاعتداءات الاسرائيلية وتخلّفت في السابق عن دفع تعويضات مقرّة لمتضرري انفجار مرفأ بيروت الذي دوّى قبل اعوام هي دولة غير نزيهة وغير عادلة وتفرّق بين مواطنيها.

وحيال ارتفاع منسوب هذه الحملة وتحوّلها الى هجمة ضد حكومة تصريف الاعمال، بادر رئيسها نجيب ميقاتي الى محاولة لاستيعاب مفاعيلها وتداعياتها من خلال كلام اطلقه اخيرا في طرابلس وحاول عبره دحض ما نُسب الى حيدر من ارقام حول تعويضات محتملة، فقال ميقاتي: “ان العدوان الاسرائيلي مستمر، ومن المستحيل في ظل هذه الظروف القيام بأي خطوة لإحصاء الاضرار وتحديد كلفتها. وكل ما يتم اشاعته في هذا الاطار غير صحيح، خصوصا ان الجميع يعلم الامكانات المحدودة للدولة التي بالكاد قادرة على تأمين الحاجات الاساسية وتسعى جاهدة لتأمين الحد الادنى من الدعم المطلوب للنازحين من قرى الجنوب”.

لكن كلام ميقاتي، على وضوحه، لم يقنع الجهات الرافضة لدفع التعويضات، اذ ورد على لسان النائب “القواتي” فادي كرم: “سواء نفى ميقاتي ما أثير اعلاميا عن دفع التعويضات ام لم ينفِ، تبقى تصريحات عضو كتلة الوفاء للمقاومة حسن فضل الله عقب اجتماعه بالرئيس ميقاتي هي الخبر اليقين”.

ومعلوم ان فضل الله قابل ميقاتي بعد وقت قصير من اعلان الهدنة الانسانية في غزة وتوقف الانشطة الحربية في الجنوب قبل اشهر، واعلن على الاثر انه حصل منه على تعهد بالتعويض على المتضررين في الجنوب، وان امر الدفع سيتم بناء على مقاييس ومعايير ستتخذ ما ان تضع المواجهات اوزارها ويُعلن وقف النار.

واستغرب عضو كتلة “التنمية والتحرير” قاسم هاشم عاصفة رفض التعويض على المتضررين من جراء العدوان الاسرائيلي على الجنوب، وقال: “ان ابناء المناطق الجنوبية الحدودية يدفعون ضريبة الدم عن كل الوطن، وان تشبثهم في ارضهم رغم التضحيات التي يقدمونها يوميا من دمهم ومن ارزاقهم ومصادر عيشهم هو فعل وطني بامتياز وعامل تحدّ لعدو مجرم وطامع. وما يسمى تعويضات يرفع البعض صوته اعتراضا عليها لا تعادل قطرة دم أو دمعة أو صرخة يطلقها مظلوم”. واضاف: “لذا لا يجوز وضع ما يجري من عدوان وتداعياته في سوق المزايدات وبازار المصالح والشعارات الفئوية الضيقة، وان ما يصيب اهلنا في الجنوب في هذه المرحلة يتطلب الترفع عن الانانيات والصغائر لان ما تتعرض له البقعة العزيزة من الوطن هو قضية وطنية بامتياز تعني الجميع من دون استثناء. ان التعويض على المتضررين هو مسؤولية الحكومة التي اعلنت بداية التزامها هذا الامر، وقد جسدته استهلالا بخطة الطوارىء العاجلة التي اعلنتها مع بدء العدوان الهمجي. لذا لن نرضى بان يمارس البعض الضغوط على الحكومة لتتراجع عما التزمته صراحة. ولا يمكن ان نقبل بأن لا يعوّض على المتضررين عندما تنتهي الحرب ويعودون الى منازلهم المتضررة او المهدمة. كما لن نقبل بأن لا يشمل التعويض المزارعين الذين ضاعت مصادر عيشهم واحترق جزء منها بفعل القذائف الاسرائيلية. ونشير هنا على سبيل المثال الى ان سهل الوزاني يؤمن عادة ربع حاجة لبنان من الخضر وفي اوقات غير اوقاتها. وما يتعين معرفته ان المزارعين في هذا السهل لم يجنوا ما زرعوه فكانت خسائرهم كبيرة”.

ووفق معلومات، فان الثنائي الشيعي قد اخذ قرارا بعدم الرد والمساجلة لاعتبارين: الأول انه “لا يريد ان تتقدم مناخات الفتنة والانقسام”، والثاني ان “كل الامور مؤجلة الى حين انتهاء العدوان، وبعدها لكل حادث حديث”.

بواسطة
ابراهيم بيرم
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى