دعم فرنجيه يعيد ربط الرئاسة بالترسيم (النهار ١٧ تشرين الثاني)

الضخ الاعلامي في اطار معركة انتخاب رئيس للجمهورية يلعب بقوة لعبة التأثير النفسي والمناورات السياسية كذلك ما يترك مجالا للشيء ونقيضه معا في المستوى نفسه .
فيعود سياسيون في غمرة السقف المرتفع الذي حدده “حزب الله” لمواصفات الرئيس العتيد للجمهورية والتي اختصرها رئيس كتلته بالعمل من اجل ايصال من نريد كما قال الى محاولة استيضاحِ ديبلوماسي لاثمان ما للموافقة من الحزب وتاليا من ايران على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل الذي تم توقيعه قبل بضعة ايام من نهاية ولاية الرئيس ميشال عون .
حصول الامرين معا في موعد واحد تقريبا يعطي ارجحية كبيرة للايحاء بحصول اتفاق ما او وعد ما او حتى عدم ممانعة وليس ضرورة رفضا لاحتمالات معينة تتعلق بالرئاسة الاولى ولا علاقة لها بالترسيم على نحو مباشر ، على رغم نفي الديبلوماسية الاميركية وجود اي امر مماثل. يتوقف هؤلاء عند موقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري داعم لرئيس تيار المردة سليمان فرنجيه من منطلق انه كان مرشحه في العام 2016 وانه يرى فيه الرئيس المناسب لكن لم يتم انتخابه للاعتبارات المعروفة المتصلة بابقاء الحزب بوعده لعون .
ويتوقف هؤلاء واكثر عند موقف اخر داعم لفرنجيه من رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي . ومع ان موقف الاخير عزي لعلاقات عريقة بينهما والى ملاقاة الثنائي الشيعي في خياره دعم انتخاب فرنجيه علما ان لا صوت لميقاتي في مجلس النواب ولا كتلة نيابية ، فان هذا الدعم يرجح هؤلاء السياسيون الا يكون من دون خلفية ما او لا يدفع في اتجاه ما مع الايحاء للخارج ان فرنجيه ليس مرشح ” حزب الله” بل هو مرشح بري ومدى القبول الذي يحظى به الاخير في الخارج وكذلك الحال بالنسبة الى ميقاتي، ما ينزع عن رئيس تيار المردة صفة الترشح عن قوى 8 اذار او حصره بها . هناك اسباب اخرى عزيت الى هذا التبني من ميقاتي او المجاهرة به على الاقل لا سيما ان دعم ميقاتي لفرنجيه معروف بحيث يتصل بواقع ان دعم فرنجيه يذهب عكس طموحات ورغبات رئيس التيار العوني الرافض لدعم فرنجيه والرافع لسقفه جدا ازاء دعمه المحتمل لا سيما في ظل علاقات غير ودية للتيار مع اي من القوى والاحزاب الاخرى باستثناء ” حزب الله”.
بعض هؤلاء يتساءلون في هذا الاطار اذا كان ميقاتي يمكن ان يعلن دعمه لفرنجيه وتمنياته بان ينتخب رئيسا لو انه تلمس رفضا خليجيا او رفضا من المملكة السعودية تحديدا لفرنجيه الذي كان حاضرا في مؤتمر الاونيسكو الذي اقامه السفير السعودي وجلس في الصف الاول في حين لم يحظ النائب المرشح ميشال معوض بالامر نفسه ، علما ان ذلك لا يعني ان المملكة داعمة لانتخاب فرنجيه ضرورة كما هي حال الولايات المتحدة التي تتواصل ديبلوماسيتها في لبنان مع فرنجيه كذلك انما من دون وضوح الموقف واذا كان دعما لانتخابه او عدم ممانعة على الارجح او رفضا ايضا. فهذه الدول تحرص جميعها كما الحال مع فرنسا على الاصرار على ان انتخاب الرئيس العتيد هو شأن داخلي ولهذه الدول اطارها العام التي تراه مناسبا وحددته في بيان مشترك صدر في ايلول الماضي وكررته السفيرة الاميركية في لبنان اخيرا .
الا ان هناك مؤشرات على عمل دؤوب منذ اشهر وعلى نحو سابق لاتفاق ترسيم الحدود في باريس تحديدا على بلورة الخيارات المقبولة والضمانات كذلك التي يستمر اطراف عدة في الشك ان اثمانا او مقايضات لم تحصل على هذا الصعيد وان هذا كان دور باريس تحديدا الذي ينقل عن فرنجيه اطمئنانه لكل الدعم الذي يحصل عليه في انتظار حسم التيار العوني تخليه عن موقفه. وهنا ايضا جانب كبير من الشيء ونقيضه بين لبننة الاستحقاق الرئاسي وتضييع مجلس النواب الوقت حتى تثمر التدخلات الخارجية نتائج محددة . ولذلك يستمر رمي قنابل دخانية في الداخل وتقدم احتمالا مع تبريراته المنطقية كما تقدم عكسه مع تبريراته المنطقية ايضا . والتاريخ اللبناني يشهد على مرشحين ناموا رؤساء وتبدلت حظوظهم في اللحظات الاخيرة قبل موعد الانتخاب.
التركيز الاعلامي على هذا الموضوع حصرا يصرف الانظار الى حد كبير عن اثارة تساؤلات جدية عن مدى الاستعداد لمزيد من انهيار البلد في ظل تخبط مريع يعبر عنه في شكل جلي مجلس النواب الذي يشهد نشاطا عشوائيا باداء هزيل ان في جلسات انتخاب رئيس للجمهورية او جلسات اللجان النيابية البعيدة من الجدية والغارقة في الشعبوية . يكفي انه في التقرير الذي نشره البنك الدولي حول لبنان مطلع شهر آب الماضي وصف البنك “الشعارات التي يرفعها السياسيون حول قدسية الودائع بانها جوفاء وانتهازية. “وفي الواقع، فإن إساءة استخدام السياسيين لهذا المصطلح أمر قاس”. وأضاف التقرير “المصطلح لا يتعارض مع الواقع بشكل صارخ فحسب، بل إنه يمنع إيجاد حلول لحماية معظم، إن لم يكن كل، أصحاب الودائع الصغار والمتوسطين بالدولار والنقد”. وهذا التقرير كان الثاني هذه السنة الذي يوبخ فيه البنك الدولي السياسيين الذين يمثلون النخبة الحاكمة في لبنان بعد أن اتهمهم في كانون الثاني “بتدبير” الانهيار الاقتصادي الكارثي للبلاد من خلال قبضتهم الاستغلالية على الموارد.
ويستمر النواب الممثلون للكتل السياسية والاحزاب قبل الانتخابات النيابية وبعدها او غالبيتهم العظمى في التمثيل الذي يتقنونه وفي الكذب على اللبنانيين وتغذية امال الناس برد ودائعها فلا هم اصحاب صدقية ولا المصارف ايضا التي لولا حاجة الناس الماسة الى الحصول على جزء يسير من ودائعها للاستمرار فحسب لكانت اصبحت في خبر كان منذ زمن لانها لن تسترجع ثقة اللبنانيين لجيلين مقبلين على الاقل. فلا مرجعية ثقة اطلاقا ولا صدقية في بلد يجهد بعض الداخل والخارج من اجل الابقاء على هيكليته السياسية قائمة بالحد الذي لا ينهيه.



