عن قرار مجلس القضاء بتعيين رديف للقاضي بيطار… (النهار 8 أيلول)

قرار مجلس القضاء الأعلى بالموافقة بالإجماع على تعيين قاضي تحقيق عدلي في ملف انفجار المرفأ للنظر بالأمور “الضرورية والملحّة”، وفق مصادره، الى حين بتّ الطلبات التي تحول دون تمكين قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار من متابعة النظر في هذه الجريمة، تتمحور حول نظر المحقق العدلي الجديد، الذي من المنتظر تعيينه، بالطلبات المقدمة من الموقوفين لتخليتهم، أو بالطلبات التي يُحتمل ان يتقدم بها مدّعى عليهم لاحقا.
هذا التطور الذي أُسقِط فجأة بناء على طلب وزير العدل هنري خوري وسبقه اعتصام أمام قصر العدل لذوي موقوفين ومقابلة نواب من “التيار الوطني الحر” رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، قد يكون توطئة لإدخال ملف المرفأ في متاهة قانونية جديدة ما لم يشكل سببا لتقديم المحقق العدلي طارق بيطار إستقالته، ولاسيما ان نظر المحقق العدلي “الجديد” بالضرورات الملحّة وتطرقه خلالها الى الأساس في الملف والإطلاع على مضمونه ليتمكن من اتخاذ قراره بالموافقة على الطلب أو رفضه طبقا لتقديره هذه الضرورة الملحّة .
في انتظار تسلم مجلس القضاء إقتراح وزير العدل المتضمن تسمية أكثر من محقق عدلي ليختار المجلس قاضيا منتدبا، بحسب توصيف مصادره، لا ليحل مكان القاضي بيطار إنما لينظر بأي طارىء يتصل بظرف صحي لأحد الموقوفين او مظلومية معينة وبتّ طلبات تخلية إن إرتأى ذلك ضمن القانون بأنها ملحّة. وتقدير الضروري والملحّ والإنساني يعود إليه في بت الطلبات العالقة أو التي يمكن أن تستجد. وقد استدعى الموافقة على هذا القرار للتعامل مع المأزق وإيجاد حل له بتعيين محقق عدلي مع وجود القاضي بيطار في انتظار بتّ قضية الطلبات التي أدت منذ أشهر الى توقفه عن العمل، تقول المصادر، وقد سبق أن شهد القضاء سابقة بتعيين القاضي جهاد الوادي أثناء سفر المحقق العدلي القاضي الياس عيد في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري أسبوعا في حينه.
ترك قرار مجلس القضاء ردودا مؤيدة ومعارضة له. ففي حين ترى أوساط قانونية مؤيدة ان هذا القرار من شأنه البت مرحليا بضرورات عالقة شأن طلبات التخلية الى حين تخلية يد القاضي بيطار فتنتفي مهمة القاضي المنتدب، تعارض اوساط قانونية قرار المجلس كونه غير قانوني، وشككت بقانونية سابقة تعيين محقق عدلي لينوب عنه في فترة سفر القاضي عيد في ملف الحريري حيث لم يتخذ القاضي المكلف أي قرار في صدد الملف، واقتصر دوره على بتّ شؤون إدارية روتينية.
وقد عارض رئيس محكمة التمييز الجزائية شرفاً القاضي جوزف سماحة بشدة قرار مجلس القضاء، واعتبره فصلا جديدا من فصول المؤامرة بهدف تمييع الحقيقة. ووصفه في كلامه لـ”النهار” بأنه “قرار غير قانوني ومنعدم الوجود، وصادر عن سلطة قضائية غير مختصة، ويخالف قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يقتضي تعديله أولا لأنه ينص على وجود محقق عدلي واحد وليس اثنين”، مستطردا: “لا يمكن لقرار ان يحل محل القانون لا من وزير العدل ولا من مجلس القضاء، وما دام القاضي بيطار لم يتنحَّ ولم يسافر او أصابه طارىء لا سمح الله”. وجزم القاضي سماحة: “نحن امام قضية واحدة لا تتجزأ الى أكثر من قاض”. وأسف “لصدور هكذا اقتراح عن وزير عدل أمضى حياته في مجال القانون الجزائي في الغالب”، سائلا: “أين أصبحت دولة القانون؟ كيف يصار الى تعيين محقق عدلي بقرار قضائي وبوجود محقق عدلي لا يزال يتولى مهمته؟ إن أقل ما يمكن قوله إنه قرار مخالف للقانون. وأين تغدو سرية التحقيق حين يطّلع محقق عدلي جديد على تحقيقات ملف المرفأ بدل العمل على إطلاق يد المحقق العدلي الأصيل لينهي تحقيقاته ويحيل ملفه لإبداء المطالعة بالأساس بعد ختمها؟ كان الأوْلى بت الطلبات العالقة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز بوجود القضاة المنتدبين لرئاسة غرف محكمة التمييز لأنهم يتمتعون بكامل صلاحية القضاة الأصيلين او تكليف غرفة أخرى في محكمة التمييز لبت طلب رد المحقق العدلي”. وأيد القاضي سماحة موقف النواب التغييريين الذي اعتبر ان “وزير العدل يرتكب مع مجلس القضاء عملية إستهداف للعدالة في قضية جريمة العصر، بفبركة إخراج غير قانوني يتسم بمخالفات فادحة الجسامة لتعيين محقق عدلي جديد بصلاحيات إستثنائية مبتكرة كضربة قاضية لدور المحقق العدلي طارق بيطار”، مشيرا الى انه سبق ان تقدم بمشروع قانون الى رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان بناء على طلب الأخير قبل أكثر من عام لجعل قضاة مساعدين للقاضي بيطار في هذه الجريمة الضخمة، على ان يصدر القرار الإتهامي بعد التوافق معهم. إلا ان هذا التعديل لم يأخذ طريقه في الندوة النيابية.
تعيين محقق عدلي جديد يفترض ان يطلع على ملف التحقيق بملف المرفأ ليتخذ أي قرار يصدره. ويقول القاضي سماحة في السياق: “لو كنت مكان القاضي بيطار لا أسلّم الملف الى قاضي التحقيق الجديد لأن قرار تعيينه سيكون غير قانوني، وإلا يكون القاضي بيطار يفشي سرية التحقيق”، داعيا “أيّ قاض الى رفض تعيينه بديلا، وخصوصا أن القضاة هم على بيّنة من القانون باعتبار ان مجلس القضاء لا دور له في هذه المسألة لوجود مبدأ فصل السلطات بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية”. ويرى أن التعامل مع هذا القرار “يكون بالرجوع عنه او بعدم تطبيقه لأنه لا يطبق إلا في حالة واحدة بتنحي القاضي بيطار الذي عليه عدم تسليم الملف حتى لو كان القرار صادرا عن مجلس القضاء الذي عليه تطبيق القانون لتكون قراراته نافذة”.
في المقابل، تداعى محامو مكتب الإدعاء عن المتضررين في نقابة المحامين للإجتماع بعد ظهر أمس لاتخاذ الموقف المناسب من قرار مجلس القضاء. ويعتبر الممثل القانوني لنقابة المحامين في بيروت المحامي يوسف لحود بملف المرفأ ان من حق الموقوف وجود مرجع لبتّ طلب تخليته، لكن، تبعا لما نُشر في وسائل الإعلام عن هذا القرار، لا يجب ارتكاب خطأ إضافي، بعد عرقلة عمل قاضي التحقيق العدلي عرقلة متعسفة، بتعيين قاض جديد لا وجود له في القانون، متوقعا ان تنجم إشكالية قانونية عن قرار مجلس القضاء سواء لجهة بت الطلب او تغيير الوصف الجرمي للمدعى عليه، فبذلك يكون المحقق الجديد أبدى رأيه بالدعوى خلافا لقاضي التحقيق الأصيل. وفي هذه الحالة مَن يبتّ هذا الخلاف أمام القضاء بعد الدخول في أساس الدعوى؟ ويلفت المحامي لحود الى أن السابقة في ملف الحريري لا يبنى عليها ما دام المحقق الأصيل في ملف المرفأ موجود وكُفت يده لأسباب غير قانونية يجب إزالتها لمعاودة عمله. ويرى ان انتداب قاض جديد او رديف او مساعد للقاضي البيطار، أياً تكن تسميته، فإنما سيمنح كامل صلاحيات القاضي بيطار، والذي قد يخالف مساره لجهة صلاحية ملاحقة المسؤولين امام القضاء، ويعتبر أنها تندرج تحت لواء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في مجلس النواب.
إذ ذاك يحصل تداخل في التحقيق وخربطته، كون عنصر الضرورة والملحّ يرتبط بصورة عضوية وجوهرية بالدعوى برمتها، ولاسيما في مسألة بت طلبات التخلية ما سيؤدي، في نظر المحامي لحود، إلى الإطاحة بالتحقيق في ملف المرفأ بكامله، مشيرا الى أن المجتمعين في مكتب الإدعاء يدرسون كل الوسائل القانونية المتاحة للتعامل مع قرار تعيين محقق عدلي جديد في حال صدوره. ويؤكد ان العرقلة السياسية هي التي أدت الى هذه الأمور بعد رفض وزير المال توقيع مرسوم التشكيلات القضائية واستنكاف مجلس النواب حتى اليوم عن تعديل المادة 125 في قانون اصول المحاكمات المدنية التي تتيح للمحقق العدلي متابعة عمله عند تقديم طلب رده. ويعتبر ان مجلس القضاء باقتراحه محققا جديدا او تعيينه يكون قد ارتكب خطأ جسيما، ليقول ان الحرص على هيبة العدالة يكون بمعالجة وضع القاضي بيطار وليس بخلق مشكلة جديدة بتعيين قاض ثان معه والهروب الى الأمام.
مشروع التشكيلات القضائية الجزئية بقي معلقا بعدم أخذ مجلس القضاء بطلب وزير المال إحداث غرفة في محكمة التمييز لأن ذلك سيؤدي الى خلل في التوازن، ما يعني ان عمل الهيئة العامة لمحكمة التمييز سيبقى معلقا لعدم الإفراج عن هذه التشكيلات. ولا يستبعد المحامي لحود ان يكون قرار تعيين قاضي تحقيق لحشر القاضي بيطار وحمله على الإستقالة.



