تعويم الحكومة صار قريباً (النهار 1 أيلول)

لن يخرج رئيس الجمهورية ميشال عون من قصر بعبدا منكسراً الى هذا الحد، على رغم حجم الانكسار الذي اصاب العهد ككل. لن يخرج مهزوماً أمام الرئيس نجيب ميقاتي الذي لم يُرد منذ اليوم الاول لقبوله التكليف، تأليف حكومة جديدة لأسباب مجهولة، ربما يتصل بعضها بإرادته الظهور بمظهر البطل في الشارع السنّي متصدياً لعون الذي يعتبر اهل السنّة انه بالغ في الاساءة اليهم، وساهم في “تحطيم” زعيمهم المنكفىء الرئيس سعد الحريري، اذ لا مبرر لعدم تأليف حكومة جديدة مكتملة الصلاحيات لمرحلة فراغ رئاسي متوقعة.
الرئيس عون سيغادر بعبدا في 31 تشرين الاول المقبل، وهو المعروف عنه أنه صاحب مغامرات ومفاجآت، بعضها غير مدروس، لكنه مستعد لخوضها، وظلّه النائب جبران باسيل ليس بعيداً من هذا التقليد. فقد وجّه الاخير رسائل واضحة الى مَن يعنيهم الامر، وليس الى ميقاتي فقط، بان الرئيس لن يسلّم حكومة مستقيلة. وهو على صواب في ذلك من الناحية الدستورية، بخلاف ما يمكن ان يكون عليه الواقع، وأحكام الضرورة.
يدرك الرئيس عون ان خصومه يريدون له ان ينهي عهده ذليلاً، ويعلم جيداً انهم قادرون على ذلك، إذ إن الرؤساء في لبنان غالباً ما يمضون السنة الاخيرة من الولاية الرئاسية في مرحلة صعبة حيث تتراجع سلطتهم وهيبتهم، وتدخل البلاد في مرحلة الإعداد لعهد جديد، وتبدأ الحسابات الرئاسية والسياسية، الوضيعة غالباً، اذ يحاول كل فريق اقتناص الفرص لضمان مكاسب له مع الرئيس الجديد.
وجَّه باسيل، وقبله مصادر القصر، والمستشارون، رسائل في كل اتجاه، وهي بلغت حتماً مسامع حارة حريك. ولئن كانت قيادة “حزب الله” تبدي استياء من بعض تصرفات العهد، ومواقف باسيل خصوصا، إلا انها تعلم ان “الحرب الكونية” على عون وباسيل، انما تستهدف الحزب، وان الاخيرين يدفعان ثمن تحالفهما معه، اضافة الى اثمان اخطاء ارتكباها بإدارة الحكم.
والحزب الذي لم يرتضِ للرئيس اميل لحود الاهانة لأنه بالغ في الاصطفاف معه، ودفع ايضا ثمن ذلك، لن يرضى مجدداً ان يصيب عون ما أصاب لحود، خصوصا ان الاول هو زعيم تيار سياسي مسيحي واسع الانتشار، وإنْ تراجع في الاستحقاقات الانتخابية عما كان عليه سابقا، واحتاج الى دعم الحزب في غير منطقة.
وقد بادر الحزب الى التقاط طابة التأليف فأعلن رئيس كتلته النيابية “الوفاء للمقاومة” محمد رعد، “ان بلداً من دون حكومة لا يمكن أن يستقرّ وضعه، والدّلع الذي نعايشه في طريقة تشكيل الحكومة لا محلّ له الآن، ونحن لا يعنينا مَن يأتي ومَن يذهب ومَن يعود، بل عوّموا هذه الحكومة لتكون حكومة كاملة الصلاحيات”. من جانبه، أكد النائب حسن فضل الله أن “حزب الله يرفض الفراغ في المؤسسات الدستورية، وهو مع أن تكون لدينا حكومة كاملة الصلاحيات، وأن تكون لدينا انتخابات رئاسية، وألّا يكون هناك فراغ في أي مرفق من مرافق الدولة”.
إذاً، ربما تنطلق في الايام المقبلة مرحلة اعادة ترميم الحكومة الحالية بتغيير وزراء فيها، وبتسمية بدائل ممن تحقّ لهم التسمية وفق المحاصصة القائمة، لان عدم سلوك هذا الطريق قد يوقع البلد في مفاجآت وخطوات غير محسوبة تزيد من انزلاقه، وتخلق اجواء متشنجة أكثر فأكثر، اللّهم إلا إذا تم الاتفاق على رئيس جديد للبلاد في مدة قصيرة، عندئذ تصير الحكومة لزوم ما لا يلزم.



