«هستيريا» المنطقة تُعيدُ ترسيم ما كان لا يُمكن ترسيمه … (الديار 24 آب)

دخلت المنطقة حالة من الحرب دون استعمال المعدات العسكرية، وعليه فإن الإقليم والعالم يعيشون على كف عفريت، إما حربٌ ستدور رحاها في العالم وستكون مدمرةً بشكلٍ كبير، أو حرب بطيئة ستقتل الآلاف جوعاً.
المشهدُ الحالي المتأزمُ في المنطقةِ منقسمٌ إلى عدةِ لوحات، وكل لوحةٍ ضمن إطار مختلفٍ لما لها من أسبابٍ تتعلقُ كلٌ منها بالتطورات الحاصلة في المنطقة، والتي تُعيدُ خلطَ الأوراق والحسابات، كل على ما يراه من مصلحةٍ تصبُ في خانة المؤشرات التي تعطي كل طرف مفهوماً خاصاً حول الاستفادة من كل ما يجري، وذلك ضمن حساباتٍ فرضتها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي جعلت دول المنطقة تغير من حساباتها، مما اضطرها إلى وضع أوراق تنازلية على طاولة مستديرةٍ مقسمةٍ على مقياس الربح والخسارة لكلٍ من دول المنطقة.
لذلك تنقسمُ التفاصيل تبعاً للأحجام السياسية، وتعيدُ خلط الأوراق مجدداً، في لحظةٍ حاسمةٍ ضمن معطياتٍ ومؤشرات يُفهمُ من خلالها أن بعض الدول والتي كانت ترفع لواء الهيمنة والخضوع لها لبعض الدول، أصبحت حاجةً ماسةً لدولٍ إقليمية بعد أن وجدت نفسها مضطرةً إلى مغازلة أخصام الماضي، ومسايرة بعض الدول، خوفاً من الغرق في مستنقع الضائقة الإقتصادية التي بدأت بعضُ الدول تعلنُ عن حاجتها للمواد الأولية من نفطٍ وغاز، خاصةً على أبواب فصل الشتاء البارد.
وبعيداً عن تفاصيل تلك الدول، يعيشُ لبنان وضعاً داخلياً مأساوياً، وإن يكن ما يجري في المنطقة يصب في خانة المتغيرات، ولكن المحاولات ما زالت تضغط باتجاه كل ما من شأنه إخراج البلاد من الأزمة الإقتصادية الراهنة، وعدم إظهار المكتسبات التي فيما لو حصلت لاستطاعت إنجاز تغيير جذري للمشهد الإقتصادي العام، لكن المحاولات تصبُ في خانة عدم إعطاء أي ورقة ربحٍ تدلُ على فشل كل من كان يراهن على الخارج والإنغماس بصورةٍ أو بأخرى ضمن توجيهات المفوضين لدول كبرى باتت معروفة، وهي تسعى دائماً إلى خنق كل ما له علاقة بتغيير المشهد الحالي، باعتبار كل ذلك لا يرضي أولاً وأخيراً الكيان الصهيوني.
من هنا ترى مصادر مطلعة أن موضوع الترسيم قد أحرج المفاوض الأميركي، لا بل أربكه في سياسته العامة، لا سيما في المفاوضات النووية والتي تدخلُ ضمن السياسة الداخلية للإدارة الاميركية ومدى تأثيرها على الانتخابات النصفية القادمة، يليها الإصطفاف الجديد لدول الخليج وخاصةً سياسة المملكة السعودية الإنفتاحية على الدول الإقليمية ومنها إيران كما حليفتها الإمارات بعد إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، يليها المفاوضات الخاصة باليمن والتي ترعاها دولة عمان وقد وصلت إلى حدود الإتفاق النهائي الذي قد يعلن عنه في القريب العاجل، وأشارت المصادر أن لتركيا دوراً إيجابياً معاكساً عما كانت عليه في السابق، وخاصة على المحور المتحرك بين ضفتي الحدود السورية العراقية والتركية الشمالية، والتي أبدت انزعاجها في الآونة الأخيرة من التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، كل ذلك وتفاصيل أخرى هي مشهدٌ من السيناريوهات في المنطقة، والتي ستحدد جغرافية المنطقة الجيوسياسية المستجدة.
أما داخلياً، فالرئيس نجيب ميقاتي وحكومته يعيشان أيضا حالة من الإرباك نتيجة لما يجري في الخارج، وغياب القرار السياسي الحاسم لمشهدٍ إضافي لما تعيشه دول أوروبا من تراجعٍ ونفوذ في الإقليم باتت أسبابه معروفة، لذلك نرى أن ضعف الخيارات لتلك الدول ينسحب على الداخل اللبناني، لا سيما في قرار اذا كانت ستولدُ حكومة جديدة تحاكي الواقع، أو أن الأمور تبقى متأرجحة بين مواقف متفرقة لحين ضبط الأوضاع وغرس الوتدِ في مكانه بعد هدوء العاصفة في المنطقة.



