تصويب مركّز على “كهرباء زحلة”: الطامحون لوراثتها كثر… (النهار 13 آب)

تنتهي عند أواخر السنة الجارية مدة العقد التشغيلي لإدارة “كهرباء” زحلة، ولا ينتهي الصراع بين الطامحين للوراثة من جهة، وبين المسيّسين للخدمات والساعين لاستغلال نجاح هذه المؤسسة لاستثماراتهم السياسية من جهة أخرى.
الصراع على المؤسسات الناجحة سمة لبنانية وعرف سياسي لم يخرج منه أهل السياسة والسلطة حتى اليوم بالرغم من الانهيار الشامل الذي تمّ بأياديهم على كل المستويات وفشلهم في إدارة أيّ من مؤسسات الدولة الخدماتية والاقتصادية. كما أن بعض أهل السياسة في لبنان لم يستيقظ من سباته وابتعاده عن الواقع الشعبي الجديد الذي فرض نفسه بعد 17 تشرين. فهؤلاء مشتومون ومتهمون بجميع أنواع الفساد السياسي والمالي والأدبي، لكنهم يضعون رباطاً سميكاً على أعينهم رافضين الواقع الجديد ومصرّين على أولوية مصالحهم الشخصية واستثماراتهم السياسية وممارسة الجشع والانتهازية أمام أي فرصة أو مناسبة يستطيعون من خلال مواقعهم تطويعها لمصالحهم.
ففيما شملت العتمة لبنان من أقصاه الى أقصاه، كان مشتركو “كهرباء زحلة” يتمتعون بـ18 ساعة كهرباء متواصلة مع صيانة كاملة، حتى إن هذه الشركة سبقت عصر الدولة باستخدامها فائض التيار الكهربائي المنتج عبر ألواح الطاقة الشمسية في المنازل والمصانع والمؤسسات ودمجه مع إنتاجها وإعادة توزيعه بما أسهم في تصفير عدد كبير من الفواتير المنزلية والصناعية.
نجحت “كهرباء زحلة” في إبقاء أمل صغير لفئة من اللبنانيين أمام تهديد وجودي وجدّي بتحولها الى توأم للمأسوف عليها “#كهرباء لبنان”، ليس بسبب تقني أو مالي أو لوجستي أو إداري، لكن فقط بسبب جشع وانتهازية أبداها ويبديها بعض السياسيين مستخدمين جميع أنواع الأسلحة بما فيها التشكيك في شفافية القوانين وتحريك العصبيات المذهبية والدينية لقرى متاخمة لمنطقة عمل كهرباء زحلة. فبدل أن يعمل هؤلاء لاستثمار أقصى جهودهم لتعميم تجربة كهرباء زحلة على كامل مساحة لبنان يسعون بأنانيتهم ولامبالاتهم بمصالح الناس الى تعميم تجربة كهرباء لبنان على منطقة زحلة وجوارها، علماً بأنه وفق مصادر متابعة للملف “لدى كهرباء زحلة القدرة والخبرة الكافية التي تؤهّلها لإضافة قرى المنطقة ولكن القانون وعقدها التشغيلي لا يخوّلانها ذلك”. وذكرت في هذا الإطار بما قاله السفير الألماني في لبنان أندرياس كيندل عن أهمية تجربة شركة كهرباء زحلة التي يجب أن يُحتذى بها في قطاع الكهرباء، وضرورة أن تعمَّم على كل البلدات اللبنانية التي تعاني من مشكلة الكهرباء.
مشاريع بديلة؟
بتاريخ 21/7/2022 نشر في الجريدة الرسمية إعلان صادر عن مؤسسة كهرباء لبنان لإجراء مناقصة عمومية لتقديم الخدمات الكهربائية ضمن حدود نطاق امتياز زحلة، وحدّد آخر موعد لتقديم العروض في 26/8/2022. ومنذ تاريخ الإعلان لم تتوقف السجالات بين نواب المنطقة بين مؤيّد ومعارض، وبين من يحمل لواء مصلحة أبناء المنطقة وبين من ينطلق بحماسته من خلفية استثمارية خاصة. وفيما 90% من دفتر الشروط يصبّ في مصلحة “كهرباء زحلة” نظراً الى الخبرة التي تتمتع بها في هذا المجال، تستغرب مصادر متابعة هذا “التصويب” على “كهرباء زحلة”، لتعزز شكوكها في أن الهدف ليس كما يشيعون أن همّهم الناس، بدليل أن القرى المجاورة لزحلة لا تزال تتكل على المولدات، فلماذا لا يجدون لهم حلاً؟ وللدلالة على مدى المصلحة الشخصية التي ينطلق منها هؤلاء النواب، تشير المصادر الى أن “محطات المياه في جديتا وشمسين تقع خارج نطاق العقد التشغيلي لكهرباء زحلة، فيما القرى التي تتغذّى من مياههما عطشى لعدم توافر الكهرباء. ولو أن النواب يريدون فعلاً مصلحة أبناء هذه القرى، لكانوا صبوا جهودهم كي يستحصلوا على موافقة من وزارة الطاقة بغية تزويد هاتين المحطتين بالتيار من “كهرباء زحلة”.
ويبدو الامر واضحاً بالنسبة للمصادر، “يريدون وضع اليد عليها أو تخريبها، لذا يحرّكون مفاتيحهم الانتخابية بين الفترة والاخرى للادعاء أن فاتورة كهرباء زحلة مرتفعة، فيما هي في الحقيقة أرخص فاتورة طاقة في لبنان، علماً بأن الوزارة هي التي تفرض التعرفة لا كهرباء زحلة”، لافتة الى أن فاتورة أكثر من 50% من المشتركين لا تتجاوز 100 كيلووات لـ15 أمبير أي إن الفاتورة لا تناهز المليون و300 ألف ليرة.
وأشارت المصادر الى أن بعض النواب يعرضون مشاريعهم البديلة من “كهرباء زحلة”، بيد أنه غاب عن بالهم أنه لا يمكن للنائب وفق القانون أن يزاوج بين مهمته التشريعية وبين إدارته لقطاع عام، واضعةً “كل ما يحصل من سجالات في إطار الشعبوية والمزايدات التي لا تسمن ولا تغني من جوع”.
هيئة الشراء العام تنتظر مستندات المناقصة
بعيداً عن السجالات التي حصلت حيال إعلان مؤسسة كهرباء لبنان عن مناقصة تقديم خدمات كهربائية في نطاق امتياز زحلة السابق قبل أيام من بدء نفاذ قانون الشراء العام للتفلت من أحكامه، أرسلت أول من أمس مؤسسة كهرباء لبنان كتاباً الى “هيئة الشراء العام” تطلب فيه تسجيل ملاحظاتها على المناقصة وسندها القانوني، إن وُجدت “وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وذلك في أقرب وقت ممكن خصوصاً أن العقد الحالي لتقديم هذه الخدمات في نطاق امتياز زحلة السابق سوف ينتهي في 31/12/2022”.
ورد رئيس هيئة الشراء العام الدكتور جان العلية أمس بكتاب آخر قال فيه “بما أن المناقصة موضوع هذه المراسلة ستُجرى بعد 29/7/2022 أي بعد دخول قانون الشراء العام حيّز التنفيذ، وتمكيناً لهيئة الشراء العام من القيام بموجباتها القانونية، أرسلت إيداعنا كافة الوثائق المتعلّقة بهذه المناقصة في أقرب وقت ممكن على البريد الالكتروني الخاص بهيئة الشراء العام contract@ppa.gov.lb وذلك لإجراء المقتضى القانوني وإفادتكم بالجواب المطلوب”.
وقد استند العلية في كتابه إلى نص المادة 113 من القانون التي تنصّ على الآتي: “تُطبّق على عمليات الشراء الجارية والتي تم الاعلان عنها قبل دخول هذا القانون حيّز التنفيذ القوانين النافذة بتاريخ الإعلان عن الشراء”.
كذلك استند إلى المادة الأولى من القانون التي نصّت على الآتي: يُحدّد هذا القانون قواعد إجراء الشراء العام وتنفيذه ومراقبته، وهو يرتكز على المبادئ الآتية:
– تطبيق الإجراءات التنافسية كقاعدة عامة.
– إتاحة فرص متكافئة دون تمييز للمشاركة في الشراء العام.
– توفير معاملة عادلة ومتساوية وشفافة ومسؤولة لجميع العارضين والملتزمين.
– علنية الإجراءات ونزاهتها ومهنيتها بشكل يفعّل الرقابة والمحاسبة.
– تشجيع التنمية الاقتصادية المحلية والعمالة الوطنية والإنتاج الوطني على أساس القيمة الفضلى من إنفاق المال العام، دون الإخلال بالفعالية.
ورداً على المطالبة بإفادة قرى البقاع الأوسط من خدمات “كهرباء زحلة”، أكد العلية لـ”النهار” أنه “في انتظار أن تزوّده مؤسسة الكهرباء بالمستندات المطلوبة ليقارنها بالقانون الذي ارتكزت عليه المناقصة (القانون رقم 198 تاريخ 29/12/2020)، فإذا أجاز القانون إمكان إفادة قرى أخرى غير التي تفيد حالياً من خدمة “كهرباء زحلة”، فسأضع ملاحظاتي بهذا الشأن… سأتقيّد بسقف القانون الذي تستند إليه المؤسسة”. وقال “سأدرس الملف ومدى مطابقته للقانون من ناحية الشروط وطريقة التلزيم، ومدى تأمينه عناصر المنافسة، وكذلك عدم وجود تفصيل على قياس شركة محددة إضافة الى حماية حقوق الدولة المالية”.
ولكن هل ملاحظات هيئة الشراء العام ملزمة لمؤسسة الكهرباء؟ يوضح العلية أنه “وفق القانون الجديد، يمكن للمؤسسة أن لا تلتزم بالملاحظات، وتالياً تعديل دفتر الشروط. ولكن في المقابل يمكننا كهيئة، أن نختار، حسب أهمية الملاحظات، بين إصدار تقرير أو تبليغ التفتيش المركزي أو ديوان المحاسبة، أو النيابة العامة المالية إذا لزم الأمر، ثم أخيراً الامانة العامة لمجلس النواب إن كان الموضوع خطيراً ويستدعي انعقاد مجلس النواب”.



