أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

فرنسا تبحث عن استعادة هويتها العالمية من بوابة الشرق الأوسط (النهار ١٩ تشرين الأول)

يسعى الإليزيه إلى استعادة الدور المفقود، بعدما راكمت أوروبا خسائر متتالية في موقعها الجيوسياسي حول العالم، سواء في أفريقيا أو الشرق الأوسط أو داخل القارة نفسها مع الحرب الروسيّة الأوكرانيّة.

أمام الواقع المأزوم يضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ثقله بحثاً عن مخارج لإحدى أخطر الأزمات التي تعصف بمنطقة شرق المتوسط. ولهذه الأسباب مجتمعة وأكثر، حافظت فرنسا على علاقة جيدة مع إيران، وما الاتصال يوم الأحد الفائت بين ماكرون والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلّا دليل إضافي على هذه العلاقة. وخلال الاتصال طلب الرئيس الفرنسي من نظيره “دعم تهدئة شاملة” في غزة ولبنان، في المقابل كان الطلب الإيراني من فرنسا “العمل مع الدول الأوروبية لوضع حد للإبادة الجماعية والجرائم التي ترتكبها إسرائيل”.

لعلّ الطلب الإيراني يؤشر إلى العائق الرئيسيّ والسبب المباشر وراء تراجع الدور الأوروبي، إذ إن الاتحاد الأوروبي لم يستطع الخروج بآلية تطبيقية لترجمة مواقفه من الحرب في غزة ولبنان، أو ترجمة “قلق” بروكسل الذي يعبر عنه الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.

وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال استقباله نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس من أن “الانقسام في مواقف الدول الأوروبية بشأن الصراع في غزة ولبنان يبعث برسائل خاطئة إلى إسرائيل والمنطقة… ومن غير المقبول أن تستمر الانقسامات”.

الإجماع الواضح حتى الآن هو ما أعلنته وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس باسم 15 من نظرائها من دول الاتحاد الأوروبي المساهمة في قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (يونيفيل)، إذ أكدت أن وجود هذه القوات مسألة “ضرورية وجوهرية، والأمم المتحدة وحدها هي التي يمكنها اتخاذ قرار بشأن وقف عمل هذه القوة”، مؤكدة أن كل الدول المساهمة في اليونيفيل “تدعم بقوة المهمة وجنودنا وأفراد شعبنا الموجودين هناك”.

الاستقلال الاستراتيجي

في مقال نشرته “الإيكونوميست” قبل أيام، قالت إنه “تحت راية الاستقلال الاستراتيجي، دفع ماكرون أوروبا إلى أن تصبح أقل اعتماداً على الغرباء، سواء اقتصادياً أو عسكرياً”، ولكن الكثير من زعماء الاتحاد الأوروبي “يشككون في أجندته”، التي يرون أنها تخدم المصالح الفرنسية، “من خلال استبدال الأسلحة المصنوعة في أميركا بمعدات فرنسية”. ويتابع المقال عينه أنه بالنسبة لأوروبا الوسطى، الرهان الأمني على الولايات المتحدة لا يزال أفضل من الرهان على “أوروبا القديمة غير الموثوق فيها بشكل دائم بقيادة فرنسا وألمانيا”.

إضافة إلى ذلك، موقف ماكرون السابق حول “الموت السريري” لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ودعوته لإنشاء “جيش أوروبي”، كله ذهب مع الحرب الأوكرانية، وباتت أوروبا ترى نفسها غير قادرة على حماية نفسها خارج المظلة الأميركية و”الناتو”.

أكثر من ذلك، الخلاف السياسي بين فرنسا وألمانيا حول السياسات الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي من العوامل التي أضعفت موقع القارة العجوز، وبناء عليه، أيّ ضغط يُمكن للاتحاد الأوروبي القيام به، في ظل الانقسامات الحادة بين دوله وداخلها لاسيما مع نتائج الانتخابات الأخيرة وصعود أحزاب اليمين؟

تبدو الأزمة الأوروبية أعمق من ذلك، قبل شهرين تقريباً أعلنت عملاق السيارات الألمانية “فولكسفاغن” عزمها إقفال بعض مصانعها في ألمانيا. وقبل أسبوع عادت وظهرت إحدى تداعيات أزمة كوفيد-19 في فرنسا من خلال إعلان إحدى أكبر الشركات المصنعة للأدوية “سانوفي” عن نيتها بيع 50 في المئة من شركة “أوبيلا” إلى صندوق استثماري أميركي، وهي شركتها الفرعية المتخصصة في المنتجات التي لا تحتاج إلى وصفة طبية.

وعن هذه الأزمة كتبت صحيفة “لوموند” أنها كشفت عن “الفجوة المدمرة” بين الوعود السياسية وتنفيذها، وأن الرئيس الفرنسي “يواجه عواقب وعوده الخاصة. فقد تعهد عقب الوباء، بتعزيز السيادة الصحية لفرنسا من خلال تسريع إعادة التصنيع في البلاد”.

الأمر لا يقتصر على فرنسا وألمانيا أو أوروبا، بل إن دول العالم تشهد حالة من الركود الاقتصادي والتضخم المالي. وما الحرب الدائرة في الشرق الأوسط إلّا تهديد إضافي بتعميق هذه الأزمة خصوصاً إن توسعت وبلغت حدّ “حرب المضائق والسفن” وبالتالي ارتفاع جنوني في أسعار النفط وأضرار بالغة في التجارة العالمية.

البحث عن هوية عالمية

مما لا شك فيه أن الدور الفرنسي تراجع في العالم، فهي لم تعد تلك الدولة التي تمتلك نفوذاً من المحيط الأطلسي حتى الهادئ مروراً بأفريقيا والشرق الأوسط، لكنها لا تزال تمتلك سمات القوة، ويظهر ذلك من خلال حركتها الدبلوماسية وسياستها الدفاعية المتمثلة في حلف “الناتو” أو في بعض الجزر التي تعتبر تابعة للأراضي الفرنسية الأم. وفي هذا السياق نشر موقع Geopolitical Futures تقريراً يشير إلى أنه “بفضل موقعها الفريد من الناحية الجغرافية والاقتصادية في أوروبا، تظل فرنسا لاعباً مهماً على الساحة العالمية”، لكن في الوقت نفسه يشير التقرير إلى أنه على الرغم من أنها تلعب أدواراً رئيسية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة، “إلّا أن فرنسا لا تزال تكافح من أجل إيجاد هويتها العالمية”.

بالعودة إلى الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، فإن فرنسا هي الدولة الغربية، ربما الوحيدة، التي أقامت خطَ اتصال مباشراً وعلنياً مع “حزب الله”، وحافظت على خيط الوصل مع إيران، وألقت بثقلها التاريخي لحلّ الأزمات اللبنانية المتناسلة، بالتنسيق مع واشنطن أو بالخلاف معها. لكن الواضح أن مفتاح استعادة الهوية الفرنسية العالمية والموقع الجيوسياسي الأوروبي لن يكون إلّا من بوابة الشرق الأوسط.

 

بواسطة
باسل العريضي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى