أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

شياطين تعديلات قانون السرّية المصرفية تكمن في التفاصيل (النهار 11 آب)

فيما يتريّث رئيس الجمهورية ميشال عون في التوقيع على التعديلات التي أقرها مجلس النواب على قانون سرية المصارف في انتظار أن تصله أجوبة من الفريق المفاوض مع الصندوق حول تساؤلات عدة أثيرت في البنود المعدلة بالقانون، لا يزال القانون العتيد موضع انتقادات خصوصاً أن التعديلات عززت قوة “المصرفي” الذي بقي الممر الإلزامي لرفع السرية المصرفية، فيما غابت لجنة الرقابة على المصارف عن هذه التعديلات.

وبناءً على ذلك، إن كان الهدف من التعديلات التي أدخلت على قانون السرية المصرفية محاربة الفساد، فلن تكون هذه النسخة الأخيرة وتالياً يمكن أن يعود القانون الى اللجان النيابية ليشبع تمحيصاً لكي يستوفي شروط محاربة الفساد التي هي من أبرز شروط صندوق النقد الذي لم يدخل في تفاصيل التعديلات التي أقرت على القانون. فماذا في شياطين التفاصيل؟

وفق بروتوكول وأدبيات التواصل بين مكوّنات القطاع المالي يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية في إعطاء قانون السرية المصرفية فائضاً من الأهمية، والتغيير والتعديل في هذا القانون يجب أن ينطلقا من هذه النقطة، برأي خبير المخاطر المصرفية والباحث في الاقتصاد محمد فحيلي، الذي يشدد على أن “المصرفي” هو الممر الإلزامي لرفع السرية المصرفية.

في التفاصيل، انطلقت مسيرة مكافحة تبييض الأموال في لبنان في عام 1996 مع اتفاقية الحيطة والحذر بمواكبة من مصرف لبنان وشركات التدقيق العالمية. وكان رئيس مجلس إدارة المصرف الممر الإلزامي للإبلاغ عن أي حالة شاذة. وتطور ذلك من خلال القانون 2001/318 وإنشاء هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان من أجل تمكين وتفعيل العمل على مكافحة تبييض الأموال. ولكن بقي التداول والتحقيق في الحسابات المصرفية تحت رحمة قانون السرية المصرفية، وكانت المصارف تتحصّن بهذا القانون لاستسهال إعطاء الجواب بالنفي و/أو الامتناع عند طلب أي معلومات. توسعت رقعة الجرائم المالية، واشتدت الحرب على تبييض الأموال، وواكب لبنان هذه المتغيرات بإقرار القانون 2015/44 الذي شمل كل أنواع الجرائم المالية… ولكنه بقي حبراً على ورق!

يقول فحيلي إنه “وفق القانون (نسخة 1956 و2022)، بقي رئيس مجلس إدراة المصرف الممر الإلزامي للإبلاغ عن أي حالة شاذة. فمن أدبيات السرية المهنية والإدارية في المصرف التي كانت ولا تزال، أن لا أحد يتواصل مع أو يعطي معلومات لجهات خارجية، إلا رئيس مجلس الإدارة أو من يوكله، إذ يُرفع كتاب طلب رفع السرية المصرفية إلى رئيس مجلس إدارة كل مصرف على حدة مع الأوراق الداعمة لإثبات استيفاء شروط رفع السرية المصرفية وعندها تكون استجابة المصرف رهن تفسيرات واجتهادات الدائرة القانونية لديه، وهناك احتمال تشابه أو عدم تطابق الأسماء. وإذا تمت الموافقة على الطلب وتطابقت الأسماء، فإن المصرف غير ملزم بالاستجابة ضمن وقت معيّن، وترفع السرية المصرفية عن حساب الشخص المتهم لا عن الحسابات ذات الصلة إلى أن تتقدّم الإدارة الضريبية، مثلاً، بعرض الأسباب الموجبة والمستندات لرفع السرية المصرفية عن الحسابات ذات الصلة، ولهذا مسار آخر. في المقلب الآخر، إذا جاء جواب المصرف بالنفي: لا وجود للحساب لديه، هنا ينتهي كل شيء!”.

على الصعيد المدني، يشرح فيحيلي أن جمعية مصارف لبنان خصّصت نافذة للتقدم برفع السرية المصرفية في حال الوفاة، الإفلاس، والعجز الكامل، بحيث يوجه الكتاب مع الأوراق الثبوتية إلى رئيس مجلس إدارة كل مصرف على حدة وهنا ينتهي دور الجمعية، وبعدها يصبح التواصل مباشرة بين إدارة كل مصرف والشخص الذي طلب رفع السرية المصرفية. بيد أن إجراءات طلب رفع السرية المصرفية لا تشمل الشركات المالية، ومحصورة فقط بالمصارف التجارية على الأراضي اللبنانية ولا تشمل فروعها خارج لبنان، وإذا رُفعت السرية المصرفية (أي تم تسليم داتا الحساب) فإنها ترفع عن حسابات الشخص (المتوفى، المفلس، المحجور عليه،…) فقط لا عن الحسابات ذات الصلة (الحسابات المشتركة، إلخ). وهناك حالات أخرى تُرفع فيها السرية المصرفية إلى الإدارات الضريبية تحت أحكام قوانين ترعى تبادل المعلومات من أجل مكافحة التهرب الضريبي:Common Reporting Standard (CRS) والقانون الأميركي Foreign Account Tax Compliance Act (FATCA)، إضافة إلى أنها رفعت السرية المصرفية عن كل الحسابات التي تفيد من أحكام تعاميم مصرف لبنان الأساسية ولا سيما 151 و158 بعد أن أنشأ مصرف لبنان “مركزية الحسابات” لهذا الغرض. وبعيداً عن الحالات الشاذة، السرية المصرفية تطبق عموماً على الحسابات الدائنة لا المدينة.

أما اليوم فإن التركيز في التعديلات، وفق فحيلي، هو على توسيع رقعة الجهات المخولة رفع طلب رفع السرية المصرفية عند وجود شك في جرم وفق ما ورد في القانون 2015/44 – قانون مكافحة تبييض الأموال. وأضيف إلى هيئة التحقيق الخاصة ثلاث مرجعيات وهي:

القضاء المختص في دعاوى التحقيق، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الإدارة الضريبية. أما لجنة الرقابة على المصارف فبقيت الغائب الأكبر عن هذه التعديلات، والثابت الدائم هو أن الطلب يرفع إلى رئيس مجلس إدارة المصرف مرفقاً مع الأوراق الثبوتية لجهة الأسباب الموجبة لهذا الطلب، وهناك تعاميم من مصرف لبنان تلزم المصرف بإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة عن كل هذه الطلبات من أي جهة أتت.

وفي ما يخص تطبيق المفعول الرجعي في رفع السرية عن المتورطين بقضايا جرائم مالية أو تهرب ضريبي، فهي تحصيل حاصل، برأي فحيلي “عندما يقبل طلب رفع ‎السرية المصرفية وتتقدم الجهة المخولة بطلب الداتا (data) من المصرف، سوف يكون جواب المصرف بإعطاء “داتا الحساب” من تاريخ فتح الحساب لديه”.

على الصعيد القانوني، يرى المتخصص في الرقابة القضائية على المصارف المركزية وأجهزة الرقابة التابعة لها المحامي الدكتور باسكال ضاهر أن القانون منح الحق برفع السرية المصرفية ظاهرياً لقضاء التحقيق والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة التحقيق الخاصة والادارة الضريبية، إلا أن تفصيل صلاحيات كل منها يؤكد عدم فاعلية النص، وأنه محكوم بعدم التطبيق أو بالتطبيق المجتزأ وغير المنتج والمكبّل لسلطة القضاء.

فقد حصر القانون موضوع رفع السرية المصرفية بقضاة التحقيق، بما يعني أن قاضي النطق بالحكم سيجد نفسه حين يحال الملف أمامه غير قادر على طلب رفع السرية المصرفية لأن النص حصره بقضاء التحقيق دون سواه، وتالياً فإن المحكمة التي أحيل إليها الملف لاحقاً ستكون مكبّلة اليدين في موضوع طلب رفع السرية المصرفية إذا وجدت أن الملف تنقصه بيانات غير مكتملة. وأكثر… فإن النص حصر الحق برفع السرية المصرفية بهيئة التحقيق الخاصة بما يعني أنه حتى على قضاء التحقيق العودة إليها… ومن هنا يصبح النص برأي ضاهر فاقداً لأيّ مفعول، بما فيه العودة الى الدوّامة السابقة عينها.

أما بالنسبة لسلطة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فيؤكد ضاهر أن “لا قيمة عملية لها، بدليل أنه وفق نص إنشائها هي مجردة من أي سلطة وهي أشبه بمجلس مستشارين، ويجب عليها الرجوع الى هيئة التحقيق التي يعود لها أن ترفض الطلب حتى لو كان معللاً”.

ويكشف أن الموضوع الخطير الذي جرى تهريبه هو “إلزام المحامي بعدم التقيد بسرية المهنة، وأبعاد هذا النص خطيرة جداً وتؤثر على عمل المحاماة، كما تنتهك الاتفاقيات الدولية ذات الصلة”.

في المحصلة يرى ضاهر أن “قانون السرية المصرفية سيطبق فقط على عامة الشعب من خلال عمل الإدارة الضريبية، من هنا يجب أن يكون صندوق النقد على بيّنة من الالتفافات التي هرّبتها السلطة في متن القانون الهادفة الى تجريد هذا النص من أي مفعول”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى