أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

النعماني: خريطة إتفاقيّة 17 أيّار تُشكِّل اعترافاً ضمنياً وصريحاً من العدو بحدود المياه الإقليميّة اللبنانيّة (الديار 11 آب)

متى قرّر «الإسرائيلي» بشكل آحادي أنّ الخط الحدودي يمتدّ الى النقطة 1 أو الى الخط 310 درجة الذي طرحه على طاولة الناقورة؟

يبدو أنّ منسوب التفاؤل بتوقيع إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي قد بدأ يتراجع من قبل الداخل «الإسرائيلي». فالحكومة «الإسرائيلية» الحالية تريد انتظار نتائج إنتخابات «الكنيست» التي يُفترض أن تحصل في 1 تشرين الثاني المقبل، ولا تودّ بالتالي عقد أي إتفاق فوري مع لبنان، كونها تُتهم بأنّها «تُقدّم تنازلات» في حال وافقت على إعطاء لبنان الخط 23 مع جيب يشمل حقل «قانا» كاملاً، ما يجعل كفّة بنيامين نتنياهو ترتفع بالعودة الى رئاسة الحكومة. ولهذا تُطالب بقضم جزء من البلوك 8 اللبناني ليس بهدف الحصول عليه، وهي تعلم أنّ ذلك لن يحصل، لأنّ لبنان يتمسّك ببلوكاته الحدودية كاملة، بل بهدف عرقلة الإتفاقية في الوقت الراهن، أو تأجيل الحلّ الى ما بعد الإنتخابات «الإسرائيلية».

ولهذا لا يُعرف حتى الآن، إذا ما كانت عودة الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود الجنوبية البحرية آموس هوكشتاين الى لبنان خلال الفترة التي حُدّدت ب 25 آب الجاري كحدّ أقصى، ستتمّ وسينقل خلالها الى المسؤولين اللبنانيين مطالبة «الإسرائيليين» بقضم جزء من البلوك 8، أم أنّه سيُفضّل تأجيل زيارته المرتقبة الى ما بعد الإنتخابات الرئاسية في لبنان والإنتخابات الإسرائيلة.

عن رؤيته لترسيم الحدود البحرية وفق الخطوط المتعارف عليها، يقول السفير بسّام النعماني، الخبير في الشؤون الحدودية البريّة والبحرية، بأنّه في العام 1976 تمّ الإتفاق مع وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على أنّ المنطقة البحرية اللبنانية تصل إلى الناقورة ومنها أفقياً بإتجاه الغرب (وهو ما يمكن إعتباره خطاً يقع إلى الجنوب من الخط 29).. علماً بأنّه من وجهة النظر «الإسرائيلية» والأميركية، فإن كلّ شيء يجب أن يراعي المتطلّبات الأمنية «الإسرائيلية».. أما في الفترة ما بعد العام 2003، فقد غيّر العدو الإسرائيلي رأية بدون مقدمات، وتقدم جغرافياً إلى الشمال، وبدأ يعتبر أنّ حدود منطقته الإقتصادية تصل إلى النقطة 1، وأنّ مطالبة لبنان بالنقطة 29 إنما هو إعتداء على المنطقة البحرية الإسرائيلية.

وذكر النعماني بأنّ نصّ الإحداثيات في الإتفاقية يقع في الصفحة 36 من «الكتاب الأبيض» الذي نشرته وزارة الخارجية والمغتربين في العام 1983 بالإشتراك مع وزارة الإعلام، ولذلك يمكن إعتباره مرجعاً يمكن إعتماده رسمياً. وتتحدّث الصفحة 36، ملحق الترتيبات الأمنية، الفقرة 26- ز، عن «1- يستمر لبنان في فرض الحظر القائم على الملاحة المدنية في منطقة تمتد من 33 درجة و 15دقيقة شمالاً، و35 درجة و6،12 دقيقة شرقاً إلى 33 درجة و5،05 شمالاً و35 درجة و1،06 دقيقة شرقاً وإلى 33 درجة و15 دقيقة شمالاً و35 درجة و6،01 دقيقة شرقاً، وإلى 33 درجة و15 دقيقة شمالاً و35 درجة و4،01 دقيقة شرقاً».

ولفت السفير النعماني أنّ «الكتاب الأبيض» لم يتضمّن أي خرائط، مع أن نص الإتفاقية يشير إلى وجود خرائط مرفقة بالإتفاق. طبعاً، لو كانت الخريطة الأصلية، أو صورة عنها متوافرة، فإنّها تغني عن محاولة إعادة رسم الإحداثيات ونقلها إلى خريطة جديدة. ولكن إذا تم نقل الإحداثيات الأربعة المذكورة في إتفاقية 17 أيار إلى خريطة حديثة فهي تظهر على الشكل الآتي:

وبالفحص الدقيق لهذه الخريطة، يتبين وجود مستطيل يجمع بين الإحداثيات الأربعة في الإتفاق وقد تم تحديدها بأربعة حروف «X» . وفي العادة، عند رسم إحداثيات الإتفاقيات الدولية المتعلقة بالشؤون البحرية، فإن حرف «X» يتم رسمه لتحديد الإحداثيات. والحروف الأربعة تشكل مربّعاً أمنياً بحرياً» يقع تحت مسؤولية السلطات اللبنانية. وكان مطلوباً من الدولة اللبنانية تسيير دوريات بحرية للتأكد من عدم قيام عمليات تهريب المسلحين أو الأسلحة عبر هذا المربع الأمني. وهذه كانت إحدى المطالب المجحفة التي كان يريد العدو الإسرائيلي فرضها على لبنان في إتفاقية 17 أيار.أما الخط الجنوبي من هذا المستطيل، فهو خط حدود المياه الإقليمية الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، والذي إعترف به العدو الإسرائيلي يومها.

وأوضح النعماني أنّه إذا تمّت إضافة الخطوط 310 درجة، والخط 1، وخط هوف، والخط 23 إلى هذه الخريطة المرسومة، فإنه يتبين بأنّها جميعها تقع إلى شمال المياه الإقليمية اللبنانية التي وافق واعترف بها العدو الإسرائيلي في 17 أيار، أي أن العدو في العام 2003 قد دفع خط المياه الإقليمية شمالاً على حساب لبنان من دون أن يرف له جفن. أما الخط 29 الذي اعتمده الوفد العسكري التقني في الناقورة، فإنه بالمقارنة مع الخطوط الأخرى، فهو ينطلق بنحو 4 كيلومترات جنوباً، وذلك بعد أن تجاهل الوفد تأثير صخرة «تخليت» إضافة إلى أنه إعتمد التقنيات الحديثة إستناداً إلى القانون الدولي للبحار UNCLOS.

ولكن ما يهمّ لبنان اليوم في العام 2022، وبعد مرور 38 سنة على سقوط إتفاقية 17 أيار، هو أن إحداثيات المياه الإقليمية اللبنانية قد تم تجاوزها والتعدي عليها بالمقارنة بما يحدث اليوم. والغريب أن العدو الإسرائيلي يتحدث عن «تنازلات مؤلمة» سيقوم بها عن طريق إعتماد الخط 23 خطّاً فاصلاً بينه وبين لبنان، وأنه سيتخلى عن مناطق بحرية واسعة تعود إليه. أي أن لبنان يتفاوض بشكل غير مباشر مع عدو لديه تخيلات واسعة، ويتلاعب بالخرائط عبر التاريخ بالشكل الذي يحلو له، ولا يوجد من ينبهه أو يردعه عن ذلك. وفي النهاية يصوّر نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه طرف ضعيف، مغلوب على أمره، مضطر لتقديم التنازلات إلى دولة عدوة مثل لبنان لأنه يسعى إلى تحقيق السلام ويريد استخراج والاستثمار في الغاز لصالح أوروبا، …إلخ، وسائر الكليشهيات التي يعتمدها العدو الإسرائيلي لأجل الظهور بمظهر الضحية في «إقليم «يكرهه بشكل أعمى ويسعى إلى تدمير دولته ..

وفيما يتعلّق بالترتيبات الأمنية التي يصرّ عليها الجانبان الأميركي و»الإسرائيلي» خلال أي عملية تفاوض، شرح السفير النعماني أنّه في الصفحة 26 من الكتاب الأبيض تحت عنوان «الترتيات الأمنية»، يتم أيضاً الإشارة إلى خريطة مرفقة تبين توزع قوات الجيش اللبناني ومراحل إنسحاب «القوات الإسرائيلية» من لبنان حتى الحدود الدولية بعد عدوان 1982. لكن بطبيعة الحال، فإنّ الكتاب الأبيض لم ينشر صورة عن هذه الخريطة مثلما تقتضي الأحوال. وتبقى هذه الخريطة والخريطة البحرية وخرائط أخرى قد تكون قد تضمنتها الإتفاقية سرية، أو محجوبة وغير متداولة على نطاق واسع.

وردّاً على سؤال إذا كان يُمكن إعتماد هذه الإتفاقية كمرجع مهم في مسألة الحدود البحريّة، رغم أنه قد تمّ إلغاؤها وإعتبارها باطلة من قبل الدولة اللبنانية في آذار 1984، أجاب: «نعم بكلّ تأكيد يمكن إعتماد الخريطة بأنها إعتراف ضمني وصريح من العدو الإسرائيلي بحدود المياه الإقليمية اللبنانية. كما أن مسألة المنطقة الإقتصادية الخالصة لم تكن مثارة أو على طاولة البحث في تلك الفترة. فإذا كان العدو الإسرائيلي قد اعترف بخط المياه الإقليمية اللبنانية، فمتى قرّر بشكل أحادي بأن خط المياه الإقليمية يمتد إلى الخط 1 أو إلى الخط 310 درجة الذي عرضه في الاجتماع الأخير في الناقورة»؟

وأكّد في الوقت نفسه أنّ الخرائط لها دائماً طابع سري وإستراتيجي، وفي أحيان كثيرة لا يتمّ ضمّ أي صور عنها في المطبوعات الرسمية التي تنشر الإتفاقيات الدولية بخصوص ترسيم الحدود أو خطوط الهدنة أو وقف إطلاق النار. والامثلة التاريخية أكثر من أن تُحصى.

بواسطة
دوللي بشعلاني
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى