تحويلات المغتربين تنقذ احتياطي تونس من العملة الصعبة

تواصل تحويلات المغتربين في تونس إنعاش احتياطي البلاد من العملة الصعبة، مقابل تراجع مردود قطاعات أخرى كانت تعتبر لوقت غير بعيد مصدراً هاماً لتوفيرها.
وارتفعت تحويلات المغتربين خلال السنوات الأخيرة، وصارت المصدر الأول للعملة الصعبة في البلد، متفوقة بذلك على القطاعات التقليدية، وفي مقدمتها السياحة.
وكشفت بيانات حديثة صادرة عن البنك المركزي التونسي أن تحويلات المغتربين بلغت منذ بداية العام الحالي وإلى غاية نهاية آب (أغسطس) الماضي نحو 6 مليارات دينار، أي نحو 1.8 مليار دولار، مقابل 5.2 مليارات دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2021، مسجلة زيادة بـ16.5في المئة.
وأعلن البنك المركزي، يوم الجمعة الماضي، أن احتياطي تونس من الموجودات الصافية من العملة الأجنبية بلغ نحو 23.8 مليار دينار (أي ما يعادل 112 يوماً من التوريد)، مقابل 19.7 مليار دينار (122 يوماً من التوريد)، خلال الفترة ذاتها من سنة 2021.
ويبلغ عدد التونسيين في الخارج نحو 1.5 مليون شخص، من بينهم شريحة مهمة من الكفاءات تصل إلى 170 ألف شخص.

وتواجه عائلات تونسية كثيرة غلاء المعيشة بفضل مساعدات أبنائها المغتربين التي عرفت زيادة ملحوظة خلال فترة أزمة كوفيد19.
ويؤكد ثامر الوسلاتي، وهو تونسي مقيم في فرنسا منذ سنوات، أنه يرسل إلى عائلته في تونس مبلغاً شهرياً في حدود 300 دولار، لمساعدتها على مجابهة غلاء المعيشة، ويؤكد لـ”النهار العربي” أنه رفع قيمة التحويل بسبب أزمة كورونا: “عليّ مساعدة أمي وإخوتي لا أستطيع التخلّي عنهم في مثل هذه الظروف”.
في المقابل، يشتكي المغتربون من ارتفاع تكلفة التحويلات، والأحد دعا ديوان التونسيين في الخارج المصارف إلى “تيسير القيام بالتدفقات المالية للتونسيين في الخارج وخفض تكلفتها، بما يمكّن من رفع قيمة هذه التحويلات ومن مردوديتها”.
إنعاش الاقتصاد
وتفوّقت تحويلات المغتربين على عائدات السياحة، رغم أنها شهدت تحسناً كبيراً خلال الموسم الحالي مقارنة بالعام الماضي.
وبلغت مداخيل القطاع السياحي نحو 1.9 مليار دينار، أي ما يعادل 615 مليون دولار خلال الأشهر السبعة الماضية، مسجلة زيادة بنحو 65 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وتراجعت عائدات السياحة بفعل أزمة كورونا بنسبة قاربت 80 في المئة خلال العامين الماضيين، ما أثّر في احتياطي العملة الصعبة للبلاد.
ومكنت تحويلات المغتربين التونسيين سنة 2022 من تغطية خدمات الدين الخارجي لتونس، وفق تصريح لمدير ديوان التونسيين في الخارج محمد المنصوري، الذي أشار إلى أن هذه التحويلات تمثل تقريباً 20 في المئة من الاحتياطي الوطني من العملات الأجنبية، لتأتي في صدارة موارد العملة الصعبة، بعدما كانت السياحة في المرتبة الأولى.
وفي سنة 2021 تجاوزت تحويلات المغتربين التونسيين 5 في المئة من الدخل الوطني لعام 2021.
وتقول المحللة الاقتصادية إيمان الحامدي لـ”النهار العربي” إن تحويلات المغتربين صارت أحد أبرز مصادر العملة الصعبة في تونس إلى جانب القروض، ما ساعد على مواصلة استيراد العديد من المواد الأساسية.
وتضيف أنها ساعدت على تغطية الدين الخارجي لتونس التي تمر بضائقة مالية، وتنتظر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4 مليارات دولار.
مغتربون جُدد
وارتفع عدد التونسيين في الخارج خلال العشرية الأخيرة، بسبب الأزمة الاقتصادية وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها تونس، وصارت الهجرة أحد الخيارات التي يفضّلها أصحاب الاختصاصات العلمية ذات القدرة التشغيلية الكبيرة على المستوى العالمي مثل الطب والهندسة.
وتشير الأرقام إلى ارتفاع عدد التونسيين من الكفاءات خلال العشرية الأخيرة، وبلغ عددهم أكثر من 170 ألفاً.
لكن ارتفاع عدد المغتربين لا يتوقف عند الهجرة النظامية، فقد غادر تونس خلال السنوات الأخيرة عشرات الآلاف من التونسيين بطريقة غير شرعية، غير عابئين بأخبار الغرقى في عرض البحر وصورهم.

وتُنظم من تونس بشكل يكاد يكون يومياً عمليات هجرة سرية بحراً، وقال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن عدد الذين لجأوا إلى هذه الطريقة تجاوز الـ20 ألفاً خلال العام الحالي. وأكد المتحدث باسم المنتدى رمضان بن عمر لـ”النهار العربي” أن المهاجرين غير النظاميين اهتدوا في الأشهر الماضية إلى وجود طريق سرية جديدة تمر عبر دول البلقان، وتحديداً صربيا.
وقال إن “هذه الطريق عرفت تدفقاً كبيراً منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بعد وصول 775 مهاجراً غير نظامي إلى صربيا خلال شهر وأكثر من 3000 خلال عام”.



