خاص – Leb Economy يكشف التداعيات الأوليّة للأزمة الإقتصادية العالمية على لبنان!

كتب مدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية د. فادي قانصو

شهدت الاقتصاديات والأسواق المالية العالمية ظروفاً تشغيلية صعبة نسبياً خلال الفصل الثاني من العام الحالي لتتجه المؤشرات الماكرو اقتصادية والأسواق المالية من أسواق السلع والأسهم والعملات نحو أسوأ أداء لها منذ انهيار الأسواق في مارس 2020، حيث يخشي المستثمرون من ارتفاع حاد في أسعار الفائدة قد تدفع بالاقتصاديات إلى الركود، بعد رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس، وهي ثالث زيادة هذا العام والأكبر منذ العام 1994، بهدف مواجهة أسرع وتيرة تضخم منذ أكثر من 40 عاماً. عليه، ونتيجة لسياسات التشديد النقدي حول العالم في موازاة استمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا في تأجيج المخاوف بشكل عام، فقد خفّض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي للعام 2022 إلى 2.9٪، من توقعات سابقة بنسبة 4.1٪ في يناير.
في الواقع، إن هذا المشهد السائد على المستوى العالمي يشبه إلى حدّ ما ما يحصل في لبنان ولكن بوتيرة تأزمية أكبر على المستوى المحلي. فمع بداية العام 2020، دخل الاقتصاد اللبناني غرفة الإنعاش عقب إصابته بداء الركود التضخّمي، وهي حالة مزمنة يُصاب فيها الاقتصاد بانكماشٍ حادّ في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أي نسب نمو سلبيّة) بالترافق مع ارتفاع ملحوظ في نسب تضخم أسعار الاستهلاك، مما يؤدّي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، لا سيّما لناحية تداعياته السلبية على معدّلات البطالة في ظلّ توجّه المؤسسات في الإجمال إلى تسريح عمّالها بُغية تقليص النفقات التشغيلية لديها جرّاء ارتفاع تكاليف الإنتاج، ناهيك عن انعكاساته الثقيلة على القدرة الشرائية للمواطنين وخاصّة ذوي الدخل المحدود وحتى المتوسّط.
ولكن ما هي التداعيات الأولية التي يمكن أن ترخيها الأزمة الاقتصادية العالمية على الصعيد المحلي؟
أولاً، إن اعتماد لبنان شبه الكلي على الاستيراد وارتفاع أسعار السلع عالمياً في ظل مؤشّر التضخم العالمي المستورد سيؤديان بطبيعة الحال إلى مزيد من الضغوط على صعيد أسعار السلع والخدمات في لبنان، ما يعني المزيد الطلب على الدولار للاستيراد وبالتالي على سعر الصرف، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى الاجراءات التي يحاول المركزي اتخاذها للمحافظة على الاستقرار في سعر الصرف من خلال التعميم 161، ما يعني المزيد من الاستنزاف في احتياطياته الخارجية التي تراجعت بحوالي 2.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، وبالتالي فإن التحدي الجديد يتعلق بقدرة المركزي على الاستمرار في تأمين الدولار من خلال التعميم 161، وإن بات واضحاً بأن المركزي يبدو متجهاً نحو فرملة تدخله في عملية تثبيت سعر الصرف.
ثانياً، من الطبيعي أن يتأثر لبنان سلباً بالسياسات النقدية المتشدّدة حول العالم وبارتفاع معدلات الفوائد. ففي حال استمر البنك الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة فسوف تستمر البنوك العالمية في رفع الفائدة، ما سيؤدي إلى انخفاض في معدلات النمو الاقتصادي حول العالم وتوقف لعجلة الاستثمارات، ما يعني انعكاساً سلبياً على حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما يعني أيضاً اتساع فجوة عجوزات الموازنات العامة، ولجوء البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة والاقتراض، لتسديد عجوزات الموازنة، إضافة إلى ارتفاع حجم الديون المتراكمة عالمياً على دول الخليج والدول المتوسطة والناشئة. من هنا، فإن اعتماد لبنان في المرحلة المقبلة على المنح والمساعدات لتمويل برنامجه الإصلاحي المرتقب، إن أُقرّ، قد يبدو على المحك في ظلّ هكذا ظروف مالية متشدّدة وخانقة على موازنات الدول المانحة، ناهيك عن ارتفاع كلفة الاقراض مع ارتفاع معدلات الفوائد والمستمر في المرحلة المقبلة.
ثالثاً، وفي وقت هوت فيه أسعار النفط أكثر من عشرة دولارات للبرميل يوم الثلاثاء إلى حدود المائة دولار للبرميل، مسجلةً أكبر هبوط ليوم واحد في حوالي أربعة أشهر، وامتدّ الانخفاض إلى قطاعات أخرى للطاقة وسط المخاوف حيال ركود عالمي. فإن لبنان المستورد للنفط ولمعظم احتياجاته، وفي حال استمرت أسعار النفط العالمية في التراجع، من المتوقع أن يتأثر إيجاباً على صعيد فاتورة الاستيراد النفطي وبالتالي على أسعار البنزين والمازوت والمشتقات النفطية الأخرى بشكل عام، ناهيك عن كلفة النقل والإنتاج وفاتورة المولدات، ولكن شرط المحافظة على استقرار نسبي في سعر الصرف، وإن تبدو المهمة صعبة نسبياً مع ما تحمله البلاد من آفاق سوداوية في ما يخصّ سعر صرف الدولار فور انتهاء موسم الصيف ودخولنا في شهر أيلول المقبل.



