ديون اللبنانيين في العراق: كادت اللقمة تصل الى الفم… ولكن! (النهار 14 آب)

أعادت زيارة المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم الى العراق ملف ديون التجار اللبنانيين ومستحقاتهم العالقة منذ تسعينات القرن الماضي الى الواجهة على خلفية الاتفاق الذي وُقّع مع السلطات الرسمية العراقية لمنح لبنان مليون طن من الفيول لزوم معامل “كهرباء لبنان” وتسديد ثمنها في مقابل خدمات مختلفة تقدَّم للعراقيين في لبنان وبالليرة اللبنانية.
ويبدو أن هذا الاتفاق أحبط التجار والصناعيين الذين لم تُقفل ملفات ديونهم العالقة مع الجانب العراقي حتى اليوم، لسبب بسيط هو أن الوفد اللبناني الذي كان قد زار العراق عام 2018 طرح أن تُسدد ديون هؤلاء من تصدير الفيول أويل والديزل أويل او النفط الخام العراقي، وهذا مثبت في محاضر اللجنة الوزارية العليا اللبنانية – العراقية، فيما لم يلحظ الاتفاق الأخير اي اشارة الى هذه الديون، علما أن مجلس رجال الأعمال اللبناني – العراقي طلب من مكتب رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب ايفاد ممثل عن المجلس لمرافقة الوفد اللبناني الى العراق لطرح موضوع الديون، إلا انه لم يلقَ جوابا.
فماذا في تفاصيل الملف؟
في شباط 2018 زار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون العراق تلبية لدعوة من نظيره العراقي محمد فؤاد معصوم، بغية تعزيز العلاقات الثنائية وأواصر التعاون بين البلدين على مختلف الصعد، لاسيما في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية.
ورافق الرئيس عون وفد رسمي حمل معه دراسة أعدتها مديرة وزارة العدل القاضية ميسم النويري التي كانت في عِداد الوفد، تضمنت شرحاً عن ديون ومتعلقات التجار اللبنانيين منذ قبل عام 1990 وقبل وبعد حرب العام 2003، معتبرة أنها لا تخضع لاتفاقية “نادي باريس”، كونها ليست ديوناً للدولة اللبنانية، بل هي متعلقات وديون خاصة لتجار وصناعيين لبنانيين، وليست من فئة ديون الدولة. وتاليا، تطبق عليها الاستثناءات الملحوظة في الاتفاقية، وخصوصاً ان ديون التجار والصناعيين اللبنانيين هي ديون أفراد. وبحسب الملفات الموجودة في غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان، والمثبتة في محاضر اللجنة المشتركة اللبنانية – العراقية، فإن متعلقات التجار اللبنانيين وديونهم تبلغ نحو 950 مليون دولار لدى الشركات العامة ووزارات الدولة العراقية.
من جانبه، سلّم مجلس رجال الأعمال اللبناني – العراقي برئاسة عبد الودود النصولي دراسة الى وزارة المال العراقية خلال زيارته مع رئيس الجمهورية الى بغداد. وقد وعد رئيس الوزراء العراقي الرئيس عون بحل الموضوع ودياً خارج اتفاقية “نادي باريس”، ولكن وزارة المال العراقية أصرت لاحقا على موقفها بإخضاع ديون التجار اللبنانيين لاتفاق “نادي باريس” الذي ساعد الرئيس الراحل رفيق الحريري في إنجازها، ولكن الموضوع لا يزال عالقا حتى اليوم، وفق ما يقول النصولي لـ”النهار”.
وعلى رغم مطالبة المجلس المسؤولين اللبنانيين بموجب كتب وجّهها اليهم النصولي، وإعلامهم بأن الحل هو بالتدخل السياسي من الدولة اللبنانية لاسترجاع حقوق ومتعلقات التجار والصناعيين اللبنانيين، “إلا أن أحدا لم يبادر الى اتخاذ الخطوات اللازمة لذلك، فيما طلب الرئيس دياب دراسة مفصلة عن هذا الموضوع وعن العلاقات اللبنانية – العراقية عبر مدير مكتبه القاضي خالد عكاري ليكون على بيّنة من طلباتنا”.
المجلس اعد الدراسة وأرسلها الى مكتب الرئيس دياب، لكن الأخير لم يحدد بعد موعدا للمجلس لمقابلته، حتى أنه لم يطرح الموضوع على الجانب العراقي، ولم يتخذ أي إجراء في شأن الموضوع، مكتفيا بمطالبة الدولة العراقية بتوريد مليون طن فيول أويل، في مقابل خدمات وتصدير منتجات، متجاهلا المطالبة بديون اللبنانيين وكأن القطاع الخاص اللبناني غير موجود.
وطالب المجلس بضرورة معالجة موضوع ديون رجال الاعمال اللبنانيين على مستوى رئاستي الحكومتين اللبنانية والعراقية، إن لجهة استرجاع حقوق التجار والصناعيين اللبنانيين، أو لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية مع العراق. وقد راجع المجلس الرئيس الاول لمحكمة التمييز رئيس مجلس القضاء الاعلى الذي أفاد بأنه يقتضي متابعة الموضوع سياسياً. ويؤكد النصولي أنه “مع ذلك، لم يحدد مكتب الرئيس دياب موعدا للمجلس للقائه، كما انه لم يتخذ أي إجراء، فيما أُثير في الإعلام موضوع استيراد الفيول والنفط الخام من العراق والذي كنا قد اقترحناه على دولته”.
ووفق ما قال النصولي لـ”النهار” فإن “الموضوع يتطلب قرارا سياسيا، خصوصا أن التجار والصناعيين اللبنانيين ليس في وسعهم اقامة دعاوى لتحصيل حقوقهم امام المحاكم اللبنانية لأن الرسوم التي تُفرض بموجب القانون اللبناني مرتفعة ولا يمكنهم تحمّلها بسبب وضعهم الاقتصادي الراهن والضرر الذي لحق بهم، فيما أكد رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود أنه لا يستطيع إلغاء هذه الرسوم إلا بموجب مشروع قانون يتقدم به 10 نواب”.
ويوضح النصولي أن “ديون رجال الاعمال اللبنانيين تتضمن مبالغ مستحقة للتجار والصناعيين اللبنانيين من اعتمادات وحوالات وبوالص تحصيل كانت مستحقة الدفع عبر مصرف الرافدين في بيروت، ولكن جُمدت منذ تاريخ الحصار على العراق سنة 1991. وبما ان الحصار رُفع سنة 2004 من قِبل الأمم المتحدة، فعلى مصرف الرافدين تسديد هذه المستحقات، بيد ان الاخير تمنّع عن ذلك رغم مخاطبته من الوزير السابق نقولا تويني للضغط على مصرف الرافدين ليسدد مستحقات الصناعيين والتجار والافراد الموقوفة منذ تاريخ الحصار”.
يُفترض ان تعقد اللجنة المشتركة اللبنانية – العراقية اجتماعاتها كل سنة في لبنان أو في العراق، برئاسة وزير الاقتصاد اللبناني ووزير التجارة العراقي للتشاور والتباحث بين البلدين بغية تطوير العلاقات، وآخر اجتماع كان مقررا انعقاده في بغداد في تشرين الأول من العام 2019، وبسبب الظروف الأمنية في العراق واستقالة الحكومة اللبنانية السابقة تأجل موعد زيارة الوفد اللبناني.
وطالب النصولي رئيس الجمهورية بتأليف لجنة جديدة لمتابعة موضوع مستحقات التجار اللبنانيين ومتعلقاتهم في العراق وفي مصرف الرافدين في بيروت، لما للموضوع من انعكاسات إيجابية على القطاع الخاص.
الديون نوعان؟
من خلال المتابعات والمفاوضات الرسمية التي أجريت مع الجانب العراقي، يبدو ان العراق لن يعترف إلا بالديون المستحقة عن العام 2003 وما بعده، وهي تعود الى شخصيات اعتبارية لبنانية ولشركات صناعية وتجارية لبنانية، وفق ما كان صرح الوزير السابق نقولا تويني. وهو ما يتبين من خلال ما قاله مالك شركة التسويق الصناعي التي نظمت المشاركات اللبنانية في معرض بغداد الدولي فارس سعد لـ”النهار”، إذ قسّم الديون والاموال اللبنانية في العراق الى قسمين:
الشق الاول يتعلق بالمستحقات المستندية الناتجة من شراء العراق بضائع لبنانية بين العامين 1990 و1993، وتم تحويل أموالها الى المصارف العراقية وبينها مصرف الرافدين الذي اعطى افادات بمستحقات اللبنانيين. وعندما اجتاح العراق دولة الكويت حجزت الامم المتحدة كل الاموال التابعة للعراق ومن بينها الاموال اللبنانية البالغة نحو 47 مليون دولار ما عدا الفوائد، اضافة الى مبالغ مماثلة في مصارف عراقية، اي نحو 150 مليون دولار مع فوائدها .بعدها قامت شركة “ارنست اند يونغ” بإحصاء الديون العراقية، واقترحت ان يدفع العراق 10،25% من هذه الديون، ولكن الكثير من اللبنانيين رفضوا هذا الاقتراح في ما عدا قلة منهم.
الشق الثاني يتعلق بالتعويض عن عقود أبرمت في اطار اتفاق النفط مقابل الغذاء (MOU) منذ عام 1998 وما بعده ولم تنفذ. قيمة هذه العقود نحو مليار و250 مليون دولار (نُفّذ منها ما قيمته 900 مليون دولار). ولكن بعد الحرب الاميركية على العراق، اعتبرها الجانب العراقي أضرارا، وتاليا رفض دفع تعويضات الحرب.
ويؤكد سعد أن الجانب اللبناني كاد أن يصل الى نتيجة في ما يتعلق بالشق الاول من الديون المترتبة على العراق، إلا ان المسألة تعقدت بعدما دمج الجانب اللبناني المستحقات المستندية بالتعويضات عن العقود التي لم تُنفذ.



