تصريف الأعمال: عندما الاستثناء يستحيل قاعدةً…

أعدّت هذه الدراسة لصالح المركز اللبناني للدراسات (LCPS) الذي نشرها، وتعيد “النهار” نشرها تعميما للفائدة في ظل #تصريف الأعمال
اعتدنا في السنوات الأخيرة على حكومات تصريف الأعمال التي أصبحت حالة متكرّرة وأكثر شيوعًا من أي وقت سابق. في الماضي، وتحديدا بين عامي 1989 و2005، كان متوسط الفترة التي يستغرقها تشكيل حكومة جديدة ستة أيّام، في حين ارتفعت هذه الفترة بين عامي 2005 و2016 إلى 100 يوم ، حتّى أنّها وصلت إلى سنة كاملة في الآونة الأخيرة، وذلك مرتين: فحكومة تمّام سلام (2014) استغرقت فترة تشكيلها 315 يومًا، في حين ترأّس حسّان دياب حكومة تصريف أعمال لفترة دامت أكثر من عام (من آب 2020 حتى أيلول 2021).
تفسيرات عدّة حاولت معالجة مفهوم صلاحيات حكومات تصريف الأعمال، أحد أبرز مواضيع الصراع السياسي اللبناني. ولأنّ مسلسل الأزمات الاقتصادية والمالية الضاغطة في لبنان طرح، وبقوّة، مسألة هامش صلاحيات حكومة تصريف الأعمال (لا سيما تلك برئاسة د. حسّان دياب) يهدف ملخص السياسة هذا إلى توضيح الصلاحيات التي ينيطها الدستور والاجتهاد والفقه القانوني والنقاش الأكاديمي بحكومات تصريف الأعمال، كما ويحرص على توضيح ما يمكن أن يتوقّعه المواطنون منها، خصوصا وقد دخلنا منذ 22/5/2022 (بدء ولاية المجلس النيابي الجديد) مرحلة تصريف أعمال جديدة لحكومة الرئيس #نجيب ميقاتي.
ينص الدستور اللبناني في المادة 64، الفقرة 2 منه على الآتي: “لا تمارس الحكومة صلاحيّاتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال”، دون أن يعطي تفاصيل إضافية حول المقصود تحديدًا من عبارة “المعنى الضيّق” التي تشكّل كيفية فهمها سببًا رئيسيًّا لاختلاف الآراء. أمّا مفهوم “تصريف الأعمال” فهو منقول من الفقه والاجتهاد الفرنسي، حيث يشير دستور الجمهورية الثالثة إلى « expédier les affaires courantes » (أو “تصريف الأعمال” باللغة العربية). في التعديلات التي طرأت على الدستور عام 1990 بناءً على اتّفاق الطائف، استخدمت عبارة “المعنى الضيّق لتصريف الأعمال” (المادة 64، الفقرة 2 من الدستور اللبناني)، من دون توضيحات إضافيةحول تعريفها،حدودها أو نطاقها. ولكن حتى قبل التعديل الدستوري في العام 1990، وعلى الرغم من غياب هذه العبارة في نص الدستور سابقا، كانت صلاحيات حكومة تصريف الأعمال دومًا موضع جدل (راجع، مثلا: راشد / الدولة اللبنانية، 1969، أدناه).
يتناول هذا الموجز تحليلاً ينطلق من حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب، كنموذج، بغية محاولة تحديد الإصلاحات الضرورية لصالح أداء حكومات تصريف الأعمال المستقبلية. والهدف منه هو توضيح تلك الصلاحيات عبر إزالة الالتباس الذي يحيط بالحدود القانونية التي تمنع هذه الحكومات من اتخاذ القرارات الطارئة أو الضروريّة حفاظُاً على الأمن أو حرصًا على تعزيز الخدمات العامة أو الالتزام بالمهل الدستورية أو القانونية الأخرى.
*الإطار القانوني “لتصريف الأعمال العادية” المولجة بها حكومة تصريف الأعمال.*
من المبادئ المهمّة في الاجتهاد الدستوري وجوب ضمان استمرارية جميع الإدارات والمرافق العامة، إذ لا يجوز لاستقالة حكومة معيّنة أن تشلّ الحياة السياسيّة والمؤسسّاتية والاقتصادية والاجتماعيّة. لهذه الغاية، يجب أن تبقى أية حكومة، مستقيلة أو بحكم المستقيلة، تمارس حدّاً أدنى من السلطة، لكي تتمكن من تصريف “الأعمال العادية” للدولة (“expédition des affaires courantes” ) لحين تشكيل حكومة جديدة.
وفقًا لقرار صادر عن مجلس شورى الدولة الفرنسي في العام 1966 (‘Conseil D’Etat Francais – 22 Avril 1966 – Federation Nationale Des Syndicats De Police’)، تعتبر “الأعمال العادية” تلك الأعمال التي لا تعرّض الحكومة بكاملها أو الوزير المعني وحده لأية مسؤولية سياسية. ولأن الحكومة تستمد شرعيّتها نظرياً من الشعب عبر نيلها الثقة من المجلس النيابي، لا تتمتّع حكومة تصريف الأعمال بالتفويض وليس لديها، تاليا،الصلاحية الدستورية لإتخاذ “قرارات سياسيّة”. وفي حين أنّ القرارات السياسية تلزم الدولة، على سبيل المثال، بتعديلات تنظيميّة دائمة وجوهرية أو بالتزامات دولية، فإن “الأعمال العادية” تعني – بمعناها الدستوري العام- تلك المسائل التي لا يمكن تأجيلها أو التي لا يمكن أن تبقى عالقة لحين تشكيل حكومة جديدة.
وقد استند القضاء اللبناني في قراراته مراراً إلى الاجتهاد الإداري الفرنسي في التعريف حرفيًّا عن “الأعمال العادية”، بحيث ميّز، اختصاراً، بين الفئات الثلاث التالية:
• الأعمال العادية بطبيعتها: وهي القرارات اليومية الروتينيّة التي تعدّها المراجع الوزارية المختصة والتي يوقّعها الوزير ببساطة بعد الاطّلاع عليها.
• الأعمال المهمة: وهي القرارات التي لا يمكن لحكومة تصريف الأعمال اتخاذها إلا في حالات الطوارئ. وتبقى هذه القرارات، في أي حال، خاضعة إلى الرقابة القضائية لمجلس شورى الدولة ، فيحدد هذا الأخير الأعمال الممكن اعتبارها “مهمة” كما له سلطة إبطال أي قرار صادر عن حكومة تصريف الأعمال يرى فيه تجاوزًا لحدود “المعنى الضيّق”، ولو في حالات الطوارئ.
• الأنظمة القانونية الرئيسية: وهي التي تعدّل الأحكام القانونية والحقوق المعترف بها قانوناً، وهي لا تندرج على الإطلاق ضمن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال.
في الواقع، ثمّة ميلٌ لتفسير “الأعمال العادية” بالقرارات المطلوبة فقط من أجل استمرارية عمل المرفق العام. ولكن الحالة الطارئة يمكنها أن تبرّر تجاوز حكومة تصريف الأعمال للمعنى الضيق لتصريف الأعمال العادية، في حال ضرورة الالتزام بالمهل الزمنية، أو في حال وجوب اتّخاذ إجراء سريع حرصًا على ضمان أمن وسلامة الدولة. وتبقى بالتالي ممارسة حكومة تصريف الأعمال لبعض الصلاحيات، وإن كانت محدودة بعد استقالتها، من الضرورات الملحّة، إذ من غير المنطقي قبول الفراغ المطلق في السلطة لحين تشكيل حكومة جديدة، لا سيما في مرحلة انعدام الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني. وهذا التفسير الأخير تمّ أيضًا تسليط الضوء عليه من قبل القضاء الإداري الفرنسي في العام 1952 الذي علّل: ‘Considérant qu’en raison de son objet même, et à défaut d’urgence, cet acte réglementaire (…) ne peut être regardé comme une affaire courante, si extensive que puisse être cette notion dans l’intérêt de la continuité nécessaire des services publics.’ (CE, Ass. 4 avril 1952 Syndicat régional des quotidiens d’Algérie.)
ما ترجمته: “حيث أنه نظرًا للهدف الحقيقي منه، وبغياب الحالة الطارئة، لا يمكن اعتبار هذا العمل التنظيمي (…) كعمل عادي، مهما كان واسعًا تفسير هذا المفهوم لصالح الاستمرارية اللازمة للمرافق العامة.”
وقد اعتمد مجلس الشورى اللبناني المبدأ المشار إليه أعلاه في قراره في الدعوى رقم 614 لعام 1969 (راشد / الدولة اللبنانية، 1969)، في غياب فهم واضح للدستور اللبناني في هذا الصدد، وقد علّل المجلس: “حيث أن مسؤولية الحكومة تنتهي في الحالات المبينة آنفا ومنها الاستقالة وحيث أن زوال المسؤولية هو الذي يحدد نطاق “الأعمال العادية” التي يوكل الى الوزارة المستقيلة تصريفها إذ أن السماح بتجاوز نطاق هذه الأعمال يؤدي الى قيام حكومة غير مسؤولة بأعمال تخضع للمسؤولية مع ما يترتب على هذا التجاوز من مخالفة أحكام الدستور وقواعد نظام الحكم التي يعتمدها.
حيث أن تطبيق مفاعيل الإستقالة أو الإقالة على إطلاقه يؤدي إلى قيام فراغ في الحكم في الفترة التي تسبق تشكيل وزارة جديدة مع ما يترتب على هذا الفراغ من تعطيل أعمال السلطة التنفيذية ووقف إدارة مصالح الدولة المنوطة بالوزراء (…) وحيث أنه تجنّباً للأخطار والمحاذير التي تنشأ عن الفراغ في الحكم، جرى العرف الدستوريّ على أن يكلّف رئيس الجمهورية الوزارة المستقيلة بالبقاء في الحكم إلى أن تتألف الوزارة الجديدة، ويحدّد نطاق أعمالها بما يسمى “تصريف الأعمال العادية”.
وقد أعطت المحكمة الإدارية العليا تعريفها الخاص لمصطلح “بالمعنى الضيّق” عندما قضت بأن يشمل هذا المصطلح أيضًا الحالات الطارئة، كما الحالات التي يقتضي فيها التقيّد بالمهل القانونية. إلى ذلك، ميّز القضاء بين الأعمال العادية – الممكن أن تقوم بها حكومة تصريف الأعمال –وبين حق التصرّف أو الأعمال التصرّفيّة، التي لا تندرج ضمن نطاق صلاحياتها. وإذ يعرّف القضاء “الأعمال العادية” بالعمل الإداري الحكومي اليومي، كما أسلفنا، فإن “حق التصرّف” يوضع في خانة المسائل التي تهدف إلى خلق التزامات مالية جديدة، وإنفاق مبالغ ضخمة، أو إدخال تغيير جوهري على سير عمل المرافق العامة.
مع ذلك، يولي القضاء اعتبارًا استثنائيًّا لمفهوم “حق التصرّف”. فقد قضت المحاكم بإمكانية إتخاذ حكومة تصريف الأعمال قرارات في حالات مبرّرة بظروف استثنائيّة وطارئة متعلّقة بالنظام العام أو أمن الدولة أو أي ظرف آخر يتمّ فيه تحديد مهلة زمنية بموجب نص تشريعي. وهذه القرارات تبقى خاضعة لرقابة القضاء الإداري، في ظل غياب الرقابة البرلمانية (يُراجع: راشد / الدولة اللبنانية، 1969)، حيث ورد:
“يجوز لحكومة تصريف الأعمال اتّخاذ التدابير الضروريّة التي تخرج عن “تصريف الأعمال العادية” في ظروف استثنائيّة تتعلق بالنظام العام أو أمن الدولة الداخلي والخارجي. وفي هذه الحالات، تخضع تدابير الوزارة المستقيلة وتقدير ظروف اتّخاذها إيّاها إلى رقابة القضاء الإداري بسبب فقدان الرقابة البرلمانية وانتفاء المسؤولية الوزاريّة.”
فضلاً عن ذلك، ثمة قرار قضائي آخر (هنود / الدولة اللبنانية، 1995) أكّد فيه مجلس شورى الدولةأنّ الحكومة المستقيلة “يمكنها القيام بالأعمال التي لا ترتبط بسياسة الدولة العليا والتي ليس من شأنها تقييد حرية الحكومة اللاحقة في انتهاج السياسة التي تراها أفضل.”
وهذا مؤدّاه أنّ حكومة تصريف الأعمال:
• لا يمكنها المشاركة في سياسات طويلة المدى من شأنها أن تكون ملزمة للحكومة اللاحقة (من حيث التغيير التنظيمي أو الاتفاقيات الدولية على حدّ سواء)؛
• ولا يمكنها اتخاذ قرارات سياسية رفيعة المستوى/حاسمة،كأن تحسم،على سبيل المثال، مفاوضات حسّاسة مع صندوق النقد الدولي أو تبنّي خطّة اقتصاديّة مفصّلة على مدى السنوات القادمة على نحوٍ ملزمٍ للحكومة اللاحقة.
وقد اتّخذت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل موقفًا مماثلاً. ففي استشارة في نيسان 2005 (رقم 265/2005)، عرّفت الهيئة مفهوم “الأعمال العادية” لحكومة تصريف الأعمال وفقًا للقرار السالف الذكر والصادر عن مجلس الشورى الفرنسي بتاريخ 4 نيسان 1952، ووفقًا للتمييز الذي كرّسه هذا القرار بين الفئات الثلاث للأعمال.
وتلخيصًا لما سبق، يعتبر الفقه القانوني الفرنسي أنّ “الأعمال العادية” هي قرارات لا مفرّ منها إذ لا يوجد خيار آخر بديل عنها . وإنّ مفهوم “الأعمال العادية” هو، من حيث التعريف، مقيّد: يهدف إلى الحفاظ على سير عمل المرافق العامة/الأعمال بالحد الأدنى من الوتيرة المطلوبة. وتجسّد عبارة “المعنى الضيّق” وتعزّز فكرة الترتيبات المؤقّتة، على أن تتولّى الحكومة الجديدة زمام الأمور خلال فترة زمنيّة منطقيّة. ولكن، بما أنّ الفترة الممتدة بين استقالة الحكومة وتشكيل غيرها تطول بشكل متزايد، أصبح المعنى الضيق لمفهوم “الأعمال العادية” إشكاليًّا، حيث من الواضح أنّ التحدّيات والمهل الزمنيّة والأحداث غير المتوقّعة التي قد تواجهها حكومة تصريف الأعمال في بضعة أيام أو أسابيع هي أقل بكثير من تلك المرجح لها مواجهتها في عدّة أشهر، أو حتى سنة بكاملها. قانونياً، هذا لا يعني إمكانيّة تفسير “الأعمال العادية” ببساطة بمعناها “الأوسع”، لكن الخطر الذي يهدد حكومة تصريف الأعمال في سبيل توسيع نطاق تدخّلاتها وهامش صلاحياتها أصبح أكثر ترجيحًا وأعلى وأكثر تواترًا.
*تعاميم الحدّ من “الأعمال العادية” لحكومات تصريف الأعمال*
في العام 2016، أصدر رئيس مجلس الوزراء آنذاك، تمّام سلام، التعميم رقم 20/2016 (المشار إليه فيما يلي بـِ “التعميم”) بعد استقالته . ويكرّر التعميم ببساطة مندرجات القرار الصادر في دعوى راشد ضد الدولة اللبنانية الذي يعرّف “الأعمال العادية”، ويقرّ التعميم بأنّه لا يمكن تنفيذ هكذا أعمال من قبل حكومة مستقيلة في الظروف العادية، ما لم يكن هناك وضع استثنائي يبرّر ذلك.
وفي 21/5/2022، أصدر رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي التعميم رقم 17/2022 الذي يستعيد تعاميم شبيهة صدرت في السياق عينه عن رؤساء الحكومات سعد الحريري وحسان دياب غداة تحوّل حكوماتهم إلى تصريف الأعمال.
يتمحور النقاش المتعلق بصلاحيات حكومات تصريف الأعمال بمعظمه حول الفقرة الثانية من التعميم، التي تتبنّى تعريفًا موجزًا ومحدودًا جدًّا “للأعمال العادية”. التعميم يفسّر الدستور من خلال حصر “الأعمال العادية” بنطاقها الضيق كما هي مذكورة فيه بحيث يمكن اتخاذ القرارات التي تدخل فقط ضمن نطاق تلك “الأعمال العادية”. وبذلك، يدخل التعميم على اختصاص القضاء (مجلس شورى الدولة)، الذي هو السلطة المختصة الوحيدة للبتّ في تلك المسائل. فضلاً عن ذلك، فقد كان القضاء قد منح فعلاً نطاقًا أوسع لصلاحيات حكومة تصريف الأعمال، إذ سمح لها “البت بكافة المسائل التي لا تتسم بطابع المواضيع الأساسية المصيرية الحساسة كالاتفاقات والمعاهدات الدولية والخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى على سبيل المثال” (الزغبي / الدولة اللبنانية، 2013).
بالإضافة إلى ذلك، تستحدث التعاميم آلية صنع قرار جديدة، تفرض على جميع الوزراء “في حال اعتبار أنّ ثمة قرار إداري يدخل في نطاق الأعمال التصرفية التي تقتضي الضرورة اتّخاذه خلال فترة تصريف الأعمال، إيداع مشروع القرار رئاسة مجلس الوزراء للاستحصال بشأنه على الموافقة الاستثنائية لفخامةرئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء”. هذه “الموافقة الاستثنائية” لا تظهر ولا ترد بأي شكل من الأشكال في الدستور اللبناني! إنها من بنات أفكار “الضرورات التي تبيح المحظورات” عندما تتعطّل السلطة صاحبة القرار أصلا.il
ولكن أن يُطلب من الوزراء الحصول على “موافقة استثنائيّة” من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء يعني فعليًّا تحويل الصلاحيات من الحكومة (التي هي وفقًا للدستور بعد اتفاق الطائف “السلطة التنفيذيّة” الفعلية) إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وتثبيت ذلك بموجب تعميم هو ببساطة مخالف للدستور الذي لا يُفرد أي حيّز، لا من قريب ولا من بعيد، لا في نصوصه ولا حتى في تفسيرها، لهذه الموافقة-المخرج. على الرغم من ذلك ، تمّ تبنّي هذا النهج غير المعتاد بشكل واسع في السنوات القليلة الماضية في التعامل مع أي مأزق ضمن حكومات تصريف الأعمال. ونشرت الجريدة الرسمية مرارًا مراسيم تستند إلى “موافقات استثنائية”.
في ضوء ما سبق ذكره، لا ينبغي للتعميم تبنّي تفسير يتناقض مع قرارات مجلس شورى الدولة وذلك لأنّ جميع القرارات الوزارية في حكومة تصريف الأعمال(وكذلك الموافقات الاستثنائية) تبقى خاضعة لرقابة السلطة القضائية تلك.
*الملاحظات النهائية والسوابق*
• في غياب تعريف واضح “للمعنى الضيّق” للأعمال العادية لحكومة تصريف الأعمال في الدستور، لا بدّ من العودة إلى قرارات القضاء فيما يخص هذه المسألة. وكما أسلفنا، فإنّ الحدود التي تستطيع حكومة تصريف الأعمال التحرّك من ضمنها ظاهرة بشكل واضح. وأي تفسير آخر لها يكون سياسياً وليس قانونيا.
• ينبغي، بشكل واضح، النظر في كل حالة على نحو منفصل وفقًا للمعايير والمبادئ والمؤشّرات المستمدّة من الاجتهاد القانوني والمحاكم. إنّ امتناع حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب عن عقد جلسات، على الرغم من حدوث تطوّرات رئيسيّة تستدعي اهتمام الحكومة يجسّد فهمًا متشدّدًا للقانون. في بيان موجز صادر عن مكتبه الإعلامي (13 آب 2021) بهذا الصدد، كرّر دياب موقفه بأنّ حكومة تصريف الأعمال لا يمكنها الدعوة للاجتماع من أجل اتّخاذ قرارات رئيسيّة، لأنّ مثل هكذا خطوة تشكّل خرقًا للدستور. من الممكن تفهّم موقف دياب بشكل منطقي في السياسة، حيث لم يكن رئيس حكومة تصريف الأعمال يرغب في “تصريف الأعمال كالمعتاد” أو تمديد مدة حكومته لتصريف الأعمال. إلاّ أنّ موقفه يبقى محط جدل دستوري وقانوني غير محسوم، وذلك لأن الدستور لا يمنع حكومة تصريف الأعمال من الدعوة إلى الاجتماع وللبنان سوابق في هذا الشأن:
أ. في العام 1969، صادقت حكومة تصريف الأعمال برئاسة رشيد كرامي على مشروع الموازنة. تجدر الإشارة إلى أنّه، وفقًا للمواد 32 و83 من الدستور، هناك مهل موضوعة للحكومة والمجلس النيابي من أجل تقديم الموازنة السنوية ومناقشتها والمصادقة عليها. وبالتالي، من الممكن التذرّع بأنّ حكومة تصريف الأعمال برئاسة دياب تخلّفت عن الالتزام بمهلة دستورية عندما تمنّعت عن الاجتماع من أجل المصادقة على مشروع الموازنة المعد من وزارة المالية لإحالته إلى المجلس النيابي للتصويت والمصادقة عليه.
ب. في العام 1979، اجتمعت حكومة تصريف الأعمال برئاسة سليم الحص من أجل المصادقة على مجموعة من مشاريع القوانين المستعجلة وإحالتها إلى المجلس النيابي.
ج. ومؤخّرًا، في العام 2013، عقدت حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي جلسة لمجلس الوزراء من أجل تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات، وهي خطوة كانت ضرورية لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
• عندما تتخلّف حكومة تصريف الأعمال عن التصرّف، ليس في الدستور من آليات رقابية لمواجهتها بها، للأسف. عندما تستقيل الحكومة، يصبح مدى رقابة المجلس النيابي على العمل الحكومي أمر لا يذكر. ولكن لا يجوز لحكومة تصريف الأعمال أن تبرّر عدم التصرف بناء على تفسير مقيّد لعبارة “المعنى الضيّق” – وهو موقف يمكنه أن يؤدّي إلى تعطيل الشؤون العامة في البلد، خصوصاً أنّ الرقابة القضائية تبقى في مرحلة لاحقة الضمانة التي تمنع أي قرار تتجاوز فيه حكومة تصريف الأعمال سلطتها. وجدير بالذكر أنّ هذا التفسير لا يعني أن على حكومة تصريف الأعمال أن تجتمع بانتظام، ولا يعني أنّ الحكومة عليها أن تمارس “الأعمال كالعادة” كما لو أنها لم تستقل وتتّخذ بالتالي قرارات تخرج عن نطاق “الأعمال العادية”. المقصود، ببساطة، أنه، بين خيار عدم الإتيان بأي تصرّف وبين تولي الأمور الطارئة والضرورية تمامًا كما سبق أن حدّدها القضاء، يبقى على حكومة تصريف الأعمال أن تجتمع في بعض الأحيان، استثنائيًّا، في سبيل البت ببند وحيد على جدول أعمالها عندما تدعو الحاجة الملحّة. وكما تظهره السوابق التي سبق ذكرها، ليس في الدستور ما يمنع حكومة تصريف الأعمال من الاجتماع.
• بما أنّ المجلس الدستوري لم يعطَ حق تفسير الدستور، فإنه ينبغي اعتبار الحدود التي وضعها مجلس شورى الدولة بمثابة المرجع الرئيسي لحكومات تصريف الأعمال.
*الملاحظات النهائية والسوابق*
• في غياب تعريف واضح “للمعنى الضيّق” للأعمال العادية لحكومة تصريف الأعمال في الدستور، لا بدّ من العودة إلى قرارات القضاء فيما يخص هذه المسألة. وكما أسلفنا، فإنّ الحدود التي تستطيع حكومة تصريف الأعمال التحرّك من ضمنها ظاهرة بشكل واضح. وأي تفسير آخر لها يكون سياسياً وليس قانونيا.
• ينبغي، بشكل واضح، النظر في كل حالة على نحو منفصل وفقًا للمعايير والمبادئ والمؤشّرات المستمدّة من الاجتهاد القانوني والمحاكم. إنّ امتناع حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب عن عقد جلسات، على الرغم من حدوث تطوّرات رئيسيّة تستدعي اهتمام الحكومة يجسّد فهمًا متشدّدًا للقانون. في بيان موجز صادر عن مكتبه الإعلامي (13 آب 2021) بهذا الصدد، كرّر دياب موقفه بأنّ حكومة تصريف الأعمال لا يمكنها الدعوة للاجتماع من أجل اتّخاذ قرارات رئيسيّة، لأنّ مثل هكذا خطوة تشكّل خرقًا للدستور. من الممكن تفهّم موقف دياب بشكل منطقي في السياسة، حيث لم يكن رئيس حكومة تصريف الأعمال يرغب في “تصريف الأعمال كالمعتاد” أو تمديد مدة حكومته لتصريف الأعمال. إلاّ أنّ موقفه يبقى محط جدل دستوري وقانوني غير محسوم، وذلك لأن الدستور لا يمنع حكومة تصريف الأعمال من الدعوة إلى الاجتماع وللبنان سوابق في هذا الشأن:
أ. في العام 1969، صادقت حكومة تصريف الأعمال برئاسة رشيد كرامي على مشروع الموازنة. تجدر الإشارة إلى أنّه، وفقًا للمواد 32 و83 من الدستور، هناك مهل موضوعة للحكومة والمجلس النيابي من أجل تقديم الموازنة السنوية ومناقشتها والمصادقة عليها. وبالتالي، من الممكن التذرّع بأنّ حكومة تصريف الأعمال برئاسة دياب تخلّفت عن الالتزام بمهلة دستورية عندما تمنّعت عن الاجتماع من أجل المصادقة على مشروع الموازنة المعد من وزارة المالية لإحالته إلى المجلس النيابي للتصويت والمصادقة عليه.
ب. في العام 1979، اجتمعت حكومة تصريف الأعمال برئاسة سليم الحص من أجل المصادقة على مجموعة من مشاريع القوانين المستعجلة وإحالتها إلى المجلس النيابي.
ج. ومؤخّرًا، في العام 2013، عقدت حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي جلسة لمجلس الوزراء من أجل تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات، وهي خطوة كانت ضرورية لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
• عندما تتخلّف حكومة تصريف الأعمال عن التصرّف، ليس في الدستور من آليات رقابية لمواجهتها بها، للأسف. عندما تستقيل الحكومة، يصبح مدى رقابة المجلس النيابي على العمل الحكومي أمر لا يذكر. ولكن لا يجوز لحكومة تصريف الأعمال أن تبرّر عدم التصرف بناء على تفسير مقيّد لعبارة “المعنى الضيّق” – وهو موقف يمكنه أن يؤدّي إلى تعطيل الشؤون العامة في البلد، خصوصاً أنّ الرقابة القضائية تبقى في مرحلة لاحقة الضمانة التي تمنع أي قرار تتجاوز فيه حكومة تصريف الأعمال سلطتها. وجدير بالذكر أنّ هذا التفسير لا يعني أن على حكومة تصريف الأعمال أن تجتمع بانتظام، ولا يعني أنّ الحكومة عليها أن تمارس “الأعمال كالعادة” كما لو أنها لم تستقل وتتّخذ بالتالي قرارات تخرج عن نطاق “الأعمال العادية”. المقصود، ببساطة، أنه، بين خيار عدم الإتيان بأي تصرّف وبين تولي الأمور الطارئة والضرورية تمامًا كما سبق أن حدّدها القضاء، يبقى على حكومة تصريف الأعمال أن تجتمع في بعض الأحيان، استثنائيًّا، في سبيل البت ببند وحيد على جدول أعمالها عندما تدعو الحاجة الملحّة. وكما تظهره السوابق التي سبق ذكرها، ليس في الدستور ما يمنع حكومة تصريف الأعمال من الاجتماع.
• بما أنّ المجلس الدستوري لم يعطَ حق تفسير الدستور، فإنه ينبغي اعتبار الحدود التي وضعها مجلس شورى الدولة بمثابة المرجع الرئيسي لحكومات تصريف الأعمال.



