تساؤلات حول اتفاق وقف إطلاق النار (اللواء ٢٩ تشرين الثاني)

أبدأ بالقول، أن الوقت الآن يجب أن يكون حصرياً للعمل على بلسمة الجراح ولملمة الشمل، وليس للشماتة والغمز واللمز، ولا لمحاولة كسر الخصم وإزاحته، ولا للنشوة الوهمية للانتصار والتهديد بالانتقام وتصفية الحسابات في الداخل.
وربما ستمضي عقود والسجال والجدال مستمران ودائران حول خلفية وتوقيت «طوفان الأقصى» و«حرب الإشغال والإسناد» وصوابيتهما، والتفرّد بأخذ قرار الحرب، وحول إذا تمخّض جبل الانتصارات فولد اتفاقاً لوقف إطلاق النار فحسب، أم يُنظر ويُحتسب أيضاً ترددات هذه الحرب ومفاعيلها في الكيان المُغتصب.
كما لن يتوقف التساؤل عن القدرات الاستخباراتية والمعلوماتية والتقنية للعدو من تفخيخ آلاف أجهزة النداء والاتصالات اللاسلكية، إلى الاستهداف الممنهج لقادة حزب لله والجماعة الإسلامية وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وغيرهم. وكذلك التساؤل عن الموقف الحقيقي لإيران وسوريا، وعن سبب عدم استخدام الأسلحة التي أعلن عنها في كلمات المناسبات، على سبيل المثال لا الحصر، من أسلحة الدفاع الجوي وصواريخ عماد4 واجتياح أصبع الجليل وغيرها.
وقد يكون هناك من يرى في اتفاق وقف إطلاق النار أنه اتفاق إذعان، ويُعارض إيقاف الحرب الدائرة.
لبنان منذ أقدم الأزمان يتكامل في تاريخه وموقعه ومصالحه مع جارته وشقيقته فلسطين، ومن طمع في فلسطين يطمع ضمناً في السيطرة على لبنان ولو بعد حين، ولذلك تجد كل لبناني واعٍ يتوجس خيفة من الكيان الصهيوني ويُبادر الى مناصرة قضية فلسطين سواء بالوعي أو باللاوعي.
وقد دفع لبنان أغلى الأثمان من بين الدول العربية بسبب موقعه الجيوسياسي وقراره مناصرة قضية فلسطين، الذي اتخذه بمحض اختياره وليس لأن هذا فٌرض عليه أو لأن هذا قدره ومصيره فحسب. ولبنان حرّ في اتخاذ أي قرار يُناسبه بالاستمرار في نهجه أو الاستنكاف، دون شعور بالخجل أو الخزي والعار، وبلا دالة لأحد عليه ولا وصاية!
يبقى السؤال المبدئي المطروح حول أسباب موافقة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على اتفاق وقف إطلاق النار، حيث لا بد أن تخرج إسرائيل منه كرابح أكبر.
هل وافق لكي يتفرّغ بشكل كامل للإجهاز التام على قطاع غزة؟
ولماذا أهدى هذا الإنجاز إلى الرئيس الأميركي جو بايدن قبل انتهاء ولايته، وهل لتصريح إدارة بايدن بأنه «لا تأخير أو تعليق لشحنات الأسلحة لإسرائيل»، وتصريح بايدن عن «الجهود الرامية إلى تسهيل قيام دولة فلسطينية، وإقامة علاقات دبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وتأمين اتفاق سلام طويل الأمد يعود بالنفع على جميع الأطراف المعنية»، وتهديده المُبطّن عبر الإشارة إلى «رفض حماس لشهور وأشهر التفاوض على وقف إطلاق النار بحسن نية واتفاقية الرهائن»، علاقة بذلك؟
وما صحة ما تمّ تداوله حول طلب نتنياهو من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدم تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية ضده مقابل القبول باتفاق وقف القتال مع لبنان؟ وكانت «وول ستريت جورنال» نقلت عن مصادر ان ماكرون قال لنتنياهو إن فرنسا لم تتخذ موقفاً بشأن تنفيذ مذكرة الاعتقال.
هناك تساؤل أيضاً حول قرار مجلس الأمن الدولي 1701، وهل يحتاج إلى حربين في عام 2006 و2023 لعلّ وعسى يتم تنفيذه؟
وسؤال دستوري، هل يحُقّ لحكومة تصريف أعمال الانعقاد بغياب وزراء منها، الموافقة على هذه الاتفاقية التي لم تفاوض عليها، ولا يُمكنها تغيير فاصلة فيها؟
وكيف نقرأ ونفهم البند الرابع «هذه الالتزامات لا تمنع إسرائيل أو لبنان من ممارسة حقهما الطبيعي في الدفاع عن النفس، بما يتماشى مع القانون الدولي».
وهل يُمكن فعلاً وعملياً تطبيق البند السادس «ستخضع أي مبيعات أو إمدادات للأسلحة والمواد ذات الصلة إلى لبنان للرقابة والسيطرة من قبل حكومة لبنان. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تنظيم وإدارة جميع إنتاج الأسلحة والمواد ذات الصلة داخل لبنان من قبل حكومة لبنان». وكذلك الفقرة (أ) من البند السابع «مراقبة وتنفيذ ضد أي دخول غير مصرح به للأسلحة والمواد ذات الصلة إلى لبنان وعبر جميع المعابر الحدودية، وضد الإنتاج غير المصرح به للأسلحة والمواد ذات الصلة داخل لبنان».
وبالعودة إلى الفقرة (ب) من البند السابع «بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، سيتم تدمير جميع المنشآت غير المصرح بها المتعلقة بإنتاج الأسلحة والمواد ذات الصلة، ومنع إقامة مثل هذه المنشآت في المستقبل». والفقرة (ج) «بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، سيتم تدمير جميع البنى التحتية، المواقع العسكرية، والمصادرة للأسلحة غير المصرح بها التي تتعارض مع هذه الالتزامات». لماذا ذكر «جنوب الليطاني» تحديداً، خاصة وأن الاتفاقية أشارت في مستهلها إلى «أنّ القرار 1701 يدعو أيضاً إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، بحيث تكون القوات الوحيدة المصرح لها بحمل السلاح في لبنان هي الجيش اللبناني، قوات الأمن الداخلي، مديرية الأمن العام، المديرية العامة للأمن الوطني، الجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية (يُشار إليها بـ «القوات العسكرية والأمنية الرسمية في لبنان»). فما هو حقيقة الموقف من منشآت إنتاج الأسلحة والبنى التحتية والمواقع العسكرية وانتشار الأسلحة «شمال الليطاني»؟
بخصوص المادة الثامنة «نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان بعدد إجمالي قدره 10,000 جندي» هل تعني أنه الحدّ الأقصى ولا يُسمح للبنان بنشر عدد أكبر من جنوده على أرضه؟
تذكر الفقرة (أ) من المادة التاسعة «ستعمل إسرائيل ولبنان معاً لتسهيل عمل الآلية وضمان سلامتها»… ما معنى وكيفية العمل «معاً»، إلّا إذا كان المقصود كليهما؟
وما هو انعكاس الفقرة (ب) من المادة 9 «تعزيز قدرة الجيش اللبناني في تفتيش وتدمير المواقع غير المصرح بها والبنية التحتية ذات الصلة، ومصادرة الأسلحة غير المصرح بها» على علاقة حزب لله وبيئته بالجيش؟
المادة 13 تُشير إلى «تسهيل المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل ولبنان بهدف حل النقاط المتنازع عليها على طول الخط الأزرق»، فهل يعني هذا إعادة الترسيم؟
ولماذا لم يتطرق الاتفاق إلى آلية إطلاق سراح أسرى حزب لله لدى إسرائيل؟ ولماذا لم يتطرق إلى آثار استعمال الأسلحة المحرّمة دولياً، الفسفورية وغيرها؟
يُنسب إلى نيتشه مقولة «الشيطان يكمُن في التفاصيل»، وإنني أتوجس من حشد من الأبالسة في هذا الاتفاق.
على أي حال، بين تعالي البعض، وتشفّي البعض، وتوهّم البعض، وتوجّس البعض… لا تُضيعوا البوصلة!
حمى لله لبنان وأهله.



