أخبار لبنانابرز الاخبار

بعد عودة العلاقات.. السعودية تضطلع بدورها التاريخي لإنقاذ لبنان

بعد نحو 3 أسابيع على استئناف العلاقات السعودية اللبنانية، تعود الرياض إلى المساهمة بإنقاذ بيروت من أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها البلاد في تاريخها، والتي تهددها بخطر الإفلاس وتقود مواطنيها نحو المجاعة.

وفي 8 أبريل 2022، عاد سفراء السعودية والكويت واليمن تباعاً إلى لبنان، بعدما غادروه إثر أزمة دبلوماسية حادة بين بيروت والرياض؛ على خلفية تصريح انتقد فيه وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي حرب اليمن ووصفها بـ”العبثية”، أواخر أكتوبر 2021، وهو ما اعتبر هجوم مبطن على الرياض التي تقود تحالف دعم الشرعية في اليمن.

صندوق دعم المستضعفين

ولم يكد يمر شهر واحد على استعادة العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السعودية حتى بادرت الرياض بالتعاون مع فرنسا بإطلاق مشروع لدعم السكان المستضعفين في لبنان؛ لتفادي مخاطر الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بلادهم.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان، الثلاثاء 26 أبريل 2022، إنها والوكالة الفرنسية للتنمية ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وقعت على اتفاق يرمي إلى إنشاء صندوق لدعم السكان المستضعفين في لبنان.

وأوضحت أن الاتفاق سيوفر دعماً مالياً بقيمة تناهز 30 مليون يورو لتنفيذ سلسلة من المشاريع في المجالين الإنساني والإنمائي.

وأضافت الوزارة: إن “هذا الاتفاق يمثل مرحلة مهمة في تنفيذ الالتزام الذي قطعه وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان ونظيره السعودي فيصل بن فرحان، في باريس في 28 فبراير الماضي، في سبيل تقديم فرنسا والسعودية الدعم المالي الطارئ لمشاريع مخصصة للسكان المستضعفين في لبنان”.

وأشارت إلى أن هذه المشاريع تلبي احتياجات السكان المستضعفين في لبنان الأكثر إلحاحاً في قطاعي الصحة والأمن الغذائي ذوي الأولوية.

كما ترمي إلى دعم مستشفى طرابلس، شمالي لبنان، بصورة خاصة، وتعزيز الانتفاع بخدمات الرعاية الصحية الأولية، وتقديم المعونة الطارئة، التي تشمل الغذاء، إلى الفئات المحرومة.

وفي 26 أبريل 2022، أشار السفير السعودي لدى لبنان وليد بخاري، إلى الاتفاقية مع فرنسا لدعم الشعب اللبناني، كاشفاً عن أن الاتفاق يتضمن 35 مشروعاً في لبنان تتعلق بقطاعات الصحة والتعليم والطاقة.

وقال “بخاري” في تصريحات صحفية: إن “السعودية تؤكد على الدوام أنها صوت عدل نادت به على لسان قائدها الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده محمد بن سلمان، نحو القيم الإنسانية والأخلاقية ودعوة للتعايش لما فيه خير الإنسان والحفاظ على كرامته”.

تعاون سعودي فرنسي

وكانت السعودية وفرنسا أعلنتا، في ديسمبر الماضي، عزمهما على التعاون في سبيل إعادة توطيد العلاقات بين بيروت والرياض.

وفي نهاية فبراير الماضي، أجرى وزير الخارجية السعودي زيارة إلى باريس بحث خلالها مع نظيره الفرنسي سبل دعم الشعب اللبناني، واتفقا على تمويل مشاريع إنسانية أولية لمساعدة اللبنانيين.

وتأتي هذه الجهود في محاولة لإنقاذ لبنان من أزمة اقتصادية وصفها البنك الدولي، في تقارير سابقة له، بأنها إحدى أشد 10 أزمات على مستوى العالم منذ منتصف القرن الـ19.

وتراجعت القيمة السوقية للعملة اللبنانية بأكثر من 95% في غضون عامين منذ بداية الأزمة، وقد بات الحد الأدنى للأجور الشهرية أقل من 23 دولاراً.

وفي 4 أبريل 2022، أعلن سعادة الشامي، نائب رئيس الحكومة اللبنانية، “إفلاس الدولة ومصرف لبنان المركزي”.

ورغم أن مصادر حكومية لبنانية مختلفة، من بينها حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، عادت وقالت إن تصريحات الشامي “ليست رسمية”، فإن مؤشرات إفلاس الدول لا تبتعد كثيراً عن الوضع في لبنان.

انهيار اقتصادي

فمنذ شهر مارس 2020، أعلن لبنان أنه لا يمكنه دفع ديونه المستحقة بمواعيدها، وعلق آنذاك سداد 1.2 مليار دولار مستحقة في التاسع من مارس من العام نفسه.

كما فقد احتياطي لبنان من النقد الأجنبي جزءاً كبيراً من قيمته ليصل إلى نحو 14 مليار دولار فقط.

وقال حاكم البنك المركزي اللبناني رياض سلامة، في أغسطس الماضي، إن احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك “وصل إلى الخط الأحمر”.

وفي ظل هذه الأزمة الطاحنة يشهد لبنان منذ أشهر شحاً في الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى؛ بسبب عدم توافر النقد الأجنبي الذي كان يؤمنه المصرف المركزي من أجل دعم استيراد تلك المواد.

وفي عام 2020، أنفق لبنان ما مجموعه 14 مليار دولار أمريكي من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي، لتوفير السيولة لشراء السلع الأساسية.

وإثر انهيار الليرة اللبنانية قفزت أسعار المستهلك لمستويات غير مسبوقة، وسط توقعات بنسبة تضخم 100% هذا العام.

وتعد هذه الأزمة أكبر خطر على استقرار لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990.

الدعم السعودي سيتواصل

وفي قراءته للدعم السعودي الجديد للبنان، يقول المحلل الاقتصادي عاصم أحمد: إن “السعودية على مدار التاريخ كانت الداعم الأهم والأكبر للبنان واقتصادها، خاصة خلال الأزمات مثل الحرب الأهلية والحرب الإسرائيلية عام 2006، وخلال جائحة كورونا وبعد انفجار مرفأ بيروت”.

ويضيف “أحمد” في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: “ما حدث خلال الأزمة اللبنانية الخليجية الأخيرة هو سحابة صيف عابرة، فلبنان لا يستطيع أن يستغني عن السعودية ودول الخليج عموماً، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي يمر بها التي توصف بأنها بين الأسوأ عالمياً”.

ويرى أن السعودية ومعها دول مركزية في المنظومة الدولية مثل فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية أخرى، ستواصل خلال الفترة المقبلة الدعم الاقتصادي والإغاثي للبنان “حتى تمنع انهيار الدولة”.

واعتبر أحمد أن وصول لبنان لمرحلة الإفلاس الحقيقي والانهيار الكلي سيؤدي إلى مجاعة، وعندها ربما تفقد الدولة سيطرتها، و”هذا لا يصب في صالح أي دولة في المنطقة، لذلك سيعمل الجميع على مساندة لبنان ليعبر من أزمته، وإن كان ذلك يتطلب وقتاً طويلاً نظراً لعمق الأزمة”.

وتوقع أن يتركز الدعم السعودي خلال الفترة المقبلة على فئة الطبقات الفقيرة والمستضعفة دون أن يشمل الحكومة اللبنانية بشكل مباشر، مرجعاً ذلك إلى “حالة الاضطراب السياسي التي تمر بها الدولة اللبنانية”.

ورأى المحلل الاقتصادي أنه بعد انعقاد الانتخابات النيابية، الشهر المقبل، وتشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة الشعب، يمكن أن يتجدد الدعم الدولي وضمنه السعودي للمنظومة الرسمية اللبنانية مثل المؤسسات الحكومية والجيش والبنك المركزي، من خلال المنح والودائع وغيرها.

وأشار إلى أن الدعم السعودي يمكن أن يشمل عودة التبادل التجاري بين الدولتين وزيادته، وضخ استثمارات سعودية في لبنان، إضافة للمنح المالية، وتقديم تسهيلات للعمالة اللبنانية في المملكة.

ليس الدعم الأول

وعلى مدار سنوات طويلة مضت ساهمت السعودية في منع انهيار اقتصاد بيروت من خلال حزم مساعدات مختلفة قدمتها قبل الأزمة الأخيرة.

وكانت المملكة تنفذ سنوياً مشاريع إغاثية عملاقة بلغت قيمتها، خلال الفترة ما بين عامي 2006 و2021، نحو 32 مليوناً و640 ألفاً و178 دولاراً، حسب إحصاء “الخليج أونلاين” للبيانات المنشورة عبر الموقع الإلكتروني لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

وكانت الرياض تقدم مساعدات سنوية منذ العام 2013 للجيش اللبناني بقيمة 3 مليارات دولار، ولقوى الأمن الداخلي بقيمة مليار دولار، وفق بيانات رسمية سعودية.

ومن المحطات البارزة التي اعتمد فيها لبنان على الدعم السعودي فترة إعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية على البلاد عام 2006، حيث قدمت المملكة 734 مليون دولار، خُصصت فقط للإعمار.

كما ضخت السعودية في الاقتصاد اللبناني، خلال الفترة ما بين عامي 1990 و2015، ما يزيد عن 70 مليار دولار بشكل مباشر وغير مباشر؛ بين استثمارات ومساعدات ومنح وهبات وقروض ميسرة وودائع في البنوك، وفق تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، نشر في أكتوبر الماضي.

وضخ المستثمرون السعوديون نحو 30 مليار دولار كاستثمارات خلال الفترة بين 2007 و2010، وفق بيانات رسمية سعودية.

بواسطة
سلمى حداد
المصدر
الخليج أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى