نسبة الركود العقاري 90% والأسعار انخفضت 70% (النهار 28 نيسان)

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار”:
“كل شي بينزل إلا العقار بيمشي طلوع” عبارة لطالما تردّدت على ألسنة كبارنا، والساعين الى حفظ جنى أعمارهم ومداخيلهم، وخصوصاً المغتربين الذين كانوا يجدون في شراء شقة أو بيت في الريف، أو قطعة أرض، استثماراً مضمون العائد، لم يخذل أيّ مستثمر سابقاً، حتى في عز الحرب الأهلية، وما بعدها.
بعد انتهاء الحرب الأهلية والمباشرة في إعادة بناء الدولة والاقتصاد، سجل القطاع العقاري قفزات تاريخية في أنشطته وأرباحه، بسب ثلاثة عوامل مؤثرة: أولاً: الثقة التي شاعت عن مستقبل البلد، وثانياً: تحويلات المغتربين والأجانب: وتحديداً الخليجيين منهم، وتوقهم للتملك في لبنان، وثالثاً: التسهيلات المصرفية التي أعطيت للموظفين وأصحاب الدخل المحدود، للحصول على قروض إسكان، بفوائد ميسّرة، وآجال طويلة.
عاش اللبنانيون عهد “العقار الذهبي” طوال العقدين الأخيرين، الى أن لاح الجمود مطلع عام 2018 وبعده 2019، الى حين انفجار الانتفاضة الشعبية، وما تلاها من انهيار على المستويات كافة، فتوقفت الأنشطة العقارية والصفقات وأقفلت الورش، حتى بداية شتاء 2020، حيث تحرّك القطاع بقوة أسهمت في رفع الأسعار بنسب مقبولة، والسبب يعود الى حاجة المطوّرين العقاريين الى سيولة لتسديد ديونهم المتراكمة الى المصارف، كما الى مسارعة الكثير من اللبنانيين الى “تهريب” ودائعهم.
من “الملاذ المصرفي” الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق تعثّره، الى “الملاذ العقاري”، حيث سجّلت عام 2020 وفق “الدولية للمعلومات” بيوعات عقارية بنحو 15 مليار دولار. هذا النشاط الاستثنائي عاد ليتقهقر مع بداية 2021 بعدما صار شيك “اللولار” غير مرحّب به عند المطوّرين العقاريين، بعد القيود المصرفية المستحدثة، ووضع سقوف للسحوبات والتحويلات، والتوقف الكلي لقروض الإسكان.
وقد أدّى تزايد الانهيار الاقتصادي، وتردّي الأوضاع الى مزيد من الانهيار في السوق العقاري، كنتيجة حتمية لتوقف البيع والشراء وفقدان السيولة، بالإضافة الى توقف المغتربين نسبياً عن الاستثمار في القطاع، لفقدان الثقة بمستقبل البلد وإمكانية عودته الى سابق عهده. لكن المفارقة الغريبة أن الانهيار في أسعار العقارات أصاب المناطق التي تصنف فقيرة، بنسبة كبيرة وصلت الى 70–75%، بينما هبطت الأسعار في المناطق المقتدر سكانها بنسبة 40-50% فقط، ومردّ ذلك ربما الى حاجة الأفقر أكثر من الغنيّ لتسييل عقاراته، إما لحاجة ملحّة، أو لهجرة صار تحقيقها حلم معظم اللبنانيين، ومثال على ذلك (مع الاستئذان من ثقل الجرح) أن معلومات صحافية، أحصت بيع عائلتين (من أصل ستين) من العائلات التي كانت على متن “زورق الموت” في بحر طرابلس أخيراً، منزلهما المتواضع، لشراء مستقبل وحياة جديدة في بلاد أخرى قبل أن يقطع الموت رغد الحلم والأعمار.
ماذا في تفاصيل المشهد العقاري؟ يشهد القطاع العقاري في لبنان ركوداً بلغت نسبته 90% وفق ما يقول الخبير العقاري رجا مكارم، ويأتي هذا الركود على الرغم من الانخفاض الحاد لأسعار العقارات الذي وصلت نسبته في بعض الحالات الى 70% على حدّ قول نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان وليد موسى. بيد أن هذه النسبة لا يمكن تعميمها على المناطق كافة، إذ يؤكد مكارم أن نسبة انخفاض أسعار العقارات عموماً راوحت بين 40 و60%. أما نسبة الـ70% التي يتحدّث عنها موسى فتشمل المناطق الفقيرة حيث يضطر بعض أصحاب الشقق إلى أن يخفضوا أسعارها بغية الحصول على دولار فرش لسدّ الضائقة المعيشية التي يعانون منها.
ويربط مكارم نسبة الانخفاض بنوعية العقار والمنطقة التي يقع فيها، لافتاً الى أن الاشخاص الذين اشتروا عقارات خلال العامين الماضيين، يمكنهم بيعها بخسارة لا تتجاوز 30%.
وتتجلى الأزمة وفق مكارم أكثر في المحالّ التجارية التي يصيبها الركود الحادّ، وكذلك بالنسبة للمكاتب وإن بنسب مختلفة، ويبدو ذلك طبيعياً بعد تراجع الأعمال في لبنان.
بيد أن هذا الهبوط لم تفد منه شرائح المجتمع كافة، لا سيما الفئة التي تتقاضى رواتبها بالعملة الوطنية وليس لها مصدر آخر لحصولها على العملة الصعبة التي يشترط توافرها معهم بغية شراء شقة، إذ إن مطوّري العقارات يطلبون تسديد ثمنها بالدولار “فرش”. باختصار، يمكن القول إن الأسعار انخفضت بالنسبة لمن يتقاضون رواتبهم بالدولار، أما “الفقراء الجدد” فيتقاضون رواتبهم بالعملة الوطنية، ما يعني أن فرصة تملّكهم شقة أو بناء منزل في قراهم أصبحت خطوة بعيدة المنال.
لطالما اعتبر اللبنانيون أن الاستثمار في العقارات هو “الملاذ الآمن” لهم من “غدر الزمان”، وتالياً ليس مستغرباً أن تشهد سوق العقارات ازدهاراً وتحديداً قبل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب البلاد منذ عام 2019. وفيما لا تستطيع الغالبية من اللبنانيين شراء أي عقار، ينتهز آخرون هذه الفرصة خصوصاً أن البعض يبيع بـ”أسعار مغرية جداً”، بهدف تسييل استثماراتهم الجامدة للعملة الصعبة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. مع الإشارة الى أن بعض المودعين عمدوا في بداية الأزمة إلى تهريب مدّخراتهم وأموالهم من المصارف عبر شيكات مصرفية استثمروا من خلالها في سوق العقارات، وترجم ذلك في عام 2020 بحدوث هجمة كبيرة في عمليات البيع والشراء، بدليل الدراسة التي أجرتها “الدولية للمعلومات” وبيّنت أنه سُجّلت 82 ألف عملية بيع وشراء بقيمة 14.4 مليار دولار.
ويقول موسى، إن المعدّل العام لانخفاض أسعار الشقق هو 50%، علماً بأنه في بعض المناطق لا تتعدّى نسبة الانخفاض 25%، فيما تصل نسبة الانخفاض في مناطق أخرى الى 75%. وهذا الأمر مرتبط برأيه بالقدرة الشرائية للبنانيين في مختلف المناطق، “ففي المناطق الراقية نسبياً التي يتمتع سكانها بقدرة شرائية مرتفعة بالدولار (فقرا، المناطق الواقعة على طول الشاطئ اللبناني)، لا تزال أسعار العقارات فيها تحافظ على مستواها ولا تشهد انخفاضات حادة في الأسعار كما غيرها من المناطق، خصوصاً أن أصحاب العقارات فيها غير مضطرّين لبيعها في انتظار تبدّل المشهد. ويشير موسى الى ظاهرة خطيرة يمكن أن تتفاقم مع الوقت خصوصاً إذا ساءت الأوضاع الاقتصادية أكثر، إذ يكشف أن أصحاب المداخيل المحدودة بالليرة يلجؤون الى بيع عقاراتهم وممتلكاتهم بغية تمكنهم من مواجهة الغلاء المستشري وصعوبات الحياة، والمشكلة الكبرى أن بعضهم، على الرغم من خفض أسعار عقاره الى نحو 75%، لا يجد من يشتريها لأن الراغبين بالشراء في هذه المناطق ليس لديهم قدرة شرائية ووضعهم ليس أفضل حالاً .
قروض مصرف الإسكان: بارقة أمل… ولكن
حزمة جديدة من القروض سيطلقها مصرف الإسكان بعد نحو 45 يوماً، وسيقرض المصرف لشراء أو بناء مسكن بسقف حدّه الأقصى مليار ليرة لبنانية، وبفائدة 5%، لمدة 30 عاماً أي ما يعادل 37 ألف دولار بحسب سعر صرف السوق اليوم. وهي مبادرة مشكورة وفق ما يقول موسى، و”لكنها غير كافية لكونها تستهدف فئة معينة من الأشخاص الذين ينوون السكن في الريف أو الذين يرمّمون منازلهم أو بناء طابق فوق مسكنهم”. وإذ جدّد تثمينه لهذه المبادرة، قال موسى “المطلوب مبادرات مماثلة بمبالغ أكبر من صناديق عربية أو أوروبية وبفوائد منخفضة على المدى الطويل بغية تحريك القطاع العقاري وتمكين اللبنانيين من شراء منازل وشقق لهم”.
ونبّه موسى من أن الأزمة الإسكانية المقبلين عليها خطرة وكبيرة جداً ليس فقط على صعيد البيع والشراء بل أيضاً على صعيد الإيجارات، وعدم اتخاذ الدولة أي إجراءات سيؤدّي الى انفجار سكني خصوصاً إذا تم تحرير عقود الإيجارات الحالية. من هنا طالب موسى بإنشاء وزارة للإسكان لوضع خطة سكنية وتنظيم القطاع العقاري.. “إذ يجب أن يكون ثمّة مرجع ولا يجوز أن تبقى الأمور متروكة على هواها”.



