الحكومة تغسل يديها من وعودها وتحمّل المودعين خسائر الهدر والفساد (النهار 21 نيسان)
المصارف تُفاجأ بخطّة الحكومة: كلام الاجتماعات محته مضامين الخطّة...

كتبت سلوى بعلبكي في” النهار”:
فيما كان يُنتظر أن تتحرّك الدولة بجدّية باتجاه وضع خطة عادلة تحدّد فيها حجم الخسائر والمسبّبين لها وتضع برمجة توزع من خلالها هذه الخسائر بعدالة لا بالتساوي من بين 4 معنيين أساسيين في الموضوع (الدولة، مصرف لبنان، المصارف والمودعين)، فوجئ الجميع بأن الدولة غسلت يدها من دم “صدّيق” الخسائر، وأحالت ما ارتكبته وقوانينها وإهداراتها وسرقاتها وتمويلها لسياستها الفاشلة على المصارف وودائعها، بما يؤكد أن خطة إلغاء المصارف وفق خطط سابقة واستبدالها بخمسة جدد فقط (توزّع مذهبياً) لا تزال سارية المفعول.
ولكن يبدو أن الجميع ومن بينهم المصارف على يقين بأن هذه الخطة لن تمر، إذ شككت مصادر مصرفية في إمكان إقرار هذه الخطة في مجلس الوزراء، وكذلك في مجلس النواب. واستغربت كيف أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان قد طمأن جمعية المصارف في آخر لقاء بينهما إلى أن الخطة مبدئية، وستُمحّص بالتفصيل لتكون أكثر منطقية، ومقبولة من الجميع، علماً بأن اللقاءات السابقة مع ميقاتي كانت مطمئنة أيضاً، إذ كان يؤكد دائماً أن الخسائر “ستوزّع على الجميع بعدالة، وكل حسب حجم مسؤولياته”. ولكن أمل جمعية المصارف خاب بعد تسريب الخطة… وما كان يقال في الاجتماعات الثنائية المغلقة تبين أنه كان يحمل في طياته الكثير من المجاملات والوعود، فيما الواقع مغاير تماماً، ويشي بأن الدولة تنصلت من مسؤولياتها.
وعلمت “النهار” أنه في الوقت الذي طرحت فيه الجمعية إنشاء “صندوق سيادي لإدارة أملاك الدولة” تُستخدم إيراداته لتسديد الودائع، اقترح أحد كبار المصرفيين خلال الاجتماعات مع صندوق النقد ومع الرئيس ميقاتي أن يستخدم 20% من مردود الغاز المتوقع “استخراجه” لتسديد الودائع على المدى الطويل، من خلال مقايضة الودائع بسندات طويلة الأمد يمكن للمودع تحصيلها بعد بدء لبنان الإفادة من عائدات النفط والغاز. وقد لاقى الاقتراح قبولاً من الجميع، ولكن المفاجأة أن الخطة لم تلحظ “الثروة” المنتظرة من النفط والغاز!
الى ذلك أكدت مصادر اقتصادية لـ”النهار” أن الصيغة المقترحة تركز على الحل الفوري، بأيّ ثمن، مع إهمال انعكاساتها على مستقبل لبنان الاقتصادي والمالي. ورأت أن “الإلغاء الفوري لـ60 مليار دولار من التزامات مصرف لبنان بالعملات، يبدو كأنه تمرين حسابي لإلغاء الديون أكثر منه خطة مدروسة جيداً لمشكلة الديون. وبصرف النظر عن الحاجة الواضحة لإصلاح القطاع المصرفي وإعادة الهيكلة التي تنطوي عليه الخطة، فإنها تحمّل التكلفة الضخمة للإصلاح (بطريقة أو بأخرى) للمودعين أو المدّخرين الذين وثقوا بتصريحات السلطات بأن الوضع تحت السيطرة”. وسألت: “من سينفذ الإصلاح؟ طبقة حاكمة فاسدة أم غير فاسدة؟”.
وإذ أشارت الى أن إحدى المشكلات تتمثل في الغموض حيال المعايير التي ستُطبَّق في تقسيم التكلفة، اعتبرت أن الخطة تضرب المدخرات الوطنية التي تشكل أساس أيّ تنمية سليمة. وسألت “ألن يحبط مثل هذا الاقتراح تدفقات رأس المال المستقبلية إلى لبنان، حتى لو تم إصلاح النظام المصرفي؟ ألن تبعد المدّخرين المحتملين عن النظام المصرفي اللبناني؟”.
قانصو: الآتي أعظم!
ما سُرّب من الخطة الحكومية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي لوضع البلاد على سكة النهوض في رحلة الألف ميل الإنقاذية، بدّد كل الآمال التي بنيت إبان تشكيل الحكومة بتحقيق خرق مرجوّ في جدار الأزمة المستفحلة، إذ تتضمّن الخطة العتيدة بنوداً وطروحات قاسية تنبئ بفترة عصيبة مالياً ونقدياً واجتماعياً، تنطوي على شوائب عدة حيال قدرتها على إخراج البلاد من أزمة متشعبة أسفرت عن انهيار الأوضاع الاقتصادية عموماً.
فعملية توزيع الخسائر كما طرحتها الخطة المسرّبة غير عادلة أو منصفة على الإطلاق، وفق ما يقول مدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو، فهي “استثنت الدولة ومصرف لبنان، اللاعبين الأبرزين اللذين تسبّبا بتراكم الخسائر المالية في الاقتصاد، من عملية توزيع الخسائر المالية، وحمّلت معظم الخسائر للقطاع المصرفي، بما يعني المودعين مباشرة، أولاً عبر شطب رأس مال المصارف بالكامل، وثانياً عبر شطب 60 مليار دولار من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إزاء المصارف التجارية”، وتالياً يرى قانصو أن “فقدان الثقة بالقطاع المصرفي يعني فقدان الثقة بالنظام المالي ككل، وتالياً عزل لبنان عن النظام المالي العالمي، فضلاً عن أن سلامة القطاع المصرفي لها تأثير ملحوظ على المخاطر السيادية وبالتالي على أي تصنيف سيادي محتمل للبنان”.
لا تعد الخطة المودعين باستعادة أموالهم ولا تضع أي أطر للإفراج عن ودائعهم مستقبلاً، بل تمعن في القضاء على ما بقي من حقوق للمودعين، في وقت تلمّح فيه إلى حماية كل مودع في كل بنك في حدود وديعة تصل إلى 100 ألف دولار فقط، فيما تنوي الخطة تحويل بقية الودائع إلى حصص ملكية أو حذف جزء منها، وتحويل جزء من ودائع العملات الأجنبية إلى الليرة اللبنانية بأسعار صرف ليست تبعاً لسعر سوق القطع.
وفيما تعتزم الخطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي عبر تقييم الخسائر وبنية الودائع لكل بنك، وعبر ضخ رأس مال جديد في البنوك القابلة للاستمرار، يرى قانصو أنه “في ظل الإصلاح المرتقب على صعيد تشريعات السرية المصرفية، الذي يعد أمراً ضرورياً لمكافحة التهرّب الضريبي والجرائم المالية وفق الخطة، والمخاوف الجدية من الاستنسابية في التعاطي مع ملف رفع السرية المصرفية، يبدو أن هوية لبنان الاقتصادية ونظامه الاقتصادي الحر على المحك وقد لا يشجع ذلك على استقدام مستثمرين وضخ رساميل جديدة في المصارف اللبنانية”.
وتنطوي خطة حكومة ميقاتي على السماح بتحرك سعر الصرف الرسمي والحد من التدخلات لتجنب اضطراب السوق دون الحؤول بتغيير اتجاهه، على أن يقتصر التدخل في سوق صرف العملات الأجنبية على الحد من التقلب الشديد في أسعار الصرف. ولكن قانصو ينبه الى أنه “في الاقتصاديات المدولرة وغير المتقدمة كما هي حال لبنان، فإن مسألة تحرير سعر الصرف قد تكون لها تداعيات سلبية على الاقتصاد أو بالأحرى متطلبات أساسية لتفادي التداعيات الناجمة عن عملية التعويم، إذ إن تحرير سعر الصرف يحتاج على الأقل إلى استقرار اقتصادي، وتحديداً اقتصاد منتج يحقق نسب نمو اقتصادية، لتحقيق بعض التوازن في الانتظام المالي ولضبط سعر الصرف بعد التعويم. كما يحتاج تحرير سعر الصرف إلى استقرار سياسي، إذ إن أي خضة سياسية قد تؤدي إلى تفلت كبير في سعر الصرف، ما يعني المزيد من التضخم ومن التآكل في القدرة المعيشية. يضاف إلى ذلك، أن تحرير سعر الصرف يتطلّب غياباً للفساد وشفافية مطلقة في أدوات السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية وقدرة من المؤسسات المالية المرجعية على التدخل لضبطه في حال حدوث خضات سياسية أو اقتصادية، وهو ما يفتقده اليوم مصرف لبنان في بلد تكثر فيه الخضات السياسية والاقتصادية ويعاني من سوء إدارة وفساد متغلغل”.
تعتزم الخطة تحقيق توازن في المالية العامة من خلال مجموعة من تدابير الإيرادات ترتكز على توسعة القاعدة الضريبية وزيادة الرسوم تدريجاً، ولكن برأي قانصو إن رفع الضرائب في وقت يعاني فيه الاقتصاد من انكماش حادّ، سيزيد من حدّة الإنكماش بنسبة كبيرة، وتالياً سيخفض مستوى الاستهلاك، ما يعني تراجعاً إضافياً في حركة الاستيراد وتالياً عائدات الخزينة من الإيرادات الجمركية”.
وختم قانصو بأن “البلاد قد تكون مقبلة على مرحلة صعبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تتطلب منا أقصى درجات الوعي والحكمة، ولا سيما أنها قد تفرض علينا تغييرات جذرية في أساليب حياتنا وأنماط عيشنا السابقة، قد تبقى معالمها راسخة لسنوات طويلة”.



