كنعان : حان وقت مواجهة الحقيقة (النهار 9 آذار)

عقدت لجنة المال والموازنة جلسة برئاسة النائب ابرهيم كنعان للاستماع إلى وزير المال يوسف خليل عن السياسة المالية العامة في إطار دراسة مشروع قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2022.
وصرح كنعان بعد الجلسة بأنها “كانت مهمة لتحديد مسار نقاش الموازنة في المرحلة المقبلة”، مشددا على انه “لا يمكن زيادة رسوم في ظل الانهيار المالي والتراجع في كل المؤشرات المالية والاقتصادية والانكماش الاقتصادي الذي يصل الى 90%، ونمو نظري مشكوك فيه، وتضخم ارتفع من 2,2% الى 178%”. وسأل: “من أين سيدفع الشعب الـ 47 الف مليار المطلوبة كإيرادات؟”. ولفت كنعان الى ان “لا أحد يزيد الرسوم والضرائب في وضع يكون دخل المواطن فيه معدوما”، مؤكدا “اننا مع توحيد سعر الصرف، وطالبنا به في لجنة المال سابقا اكثر من مرة، ولكن بعد انجاز رؤية واضحة وخطة مبرمجة زمنيا من قِبل مصرف لبنان، وذلك لم يحصل ولا يجوز رفع الدولار الضريبي والجمركي ورواتب الناس لا تزال تُدفع على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية”. وقال: “امام هذا الواقع، فان الموازنة ضرورية لتسيير المرفق العام ولتبقى مؤسساتنا وإداراتنا قادرة على القيام بواجباتها، ولكن يجب ألّا تتضمن اي زيادات وأعباء على المواطنين اللبنانيين من دون وضع خطة وإعادة هيكلة المصارف والدين العام والقطاع العام ومعرفة مصير ودائع الناس”. وسأل: “أين قطوعات الحسابات، ولماذا لم يدقق بها ديوان المحاسبة حتى الآن، بعد اعادة تكوينها بضغط من لجنة المال؟ وكيف سنقر موازنة بغياب حسابات مدققة؟”، داعيا الى “التزام القانون والشفافية امام الناس لمرة واحدة، خصوصا بعد الانهيار المالي الكبير الذي حصل”. وكرر تأكيده ان الموازنة “لن تمر من دون أخذ كل المعطيات التي ذكرتها في الاعتبار”. وردا على سؤال عما يحكى عن ان الموازنة سترحَّل الى المجلس النيابي المقبل، قال كنعان: “هناك امكانية لاقرار الموازنة قبل الانتخابات في حال الالتزام بالمبادىء التي ناقشناها مع وزارة المال والتزام الحكومة بها. والمطلوب ارادة نيابية وحكومية للحفاظ على حقوق الناس”.
كنعان لـ”النهار”
وفي قراءة تحليلية لمشروع الموازنة يقول كنعان لـ”النهار”:
يكتسب موضوع موازنة العام 2022 أهميّة خاصّة لكونه أحد المؤشّرات على مدى الالتزام بإعادة الماليّة العامّة إلى كنف الدستور والقانون، ولكونه أحد مقوّمات الإصلاح الماليّ والاقتصاديّ، وأحد مفاتيح الولوج إلى وضع خطة للتعافي المالي والاقتصادي، وبالتالي إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
ويرى كنعان ان “موازنة العام 2022 ليست مشروعاً مُستقلّاً عن الظروف الاقتصاديّة والماليّة التي يعاني لبنان منها:
– فالناتِجُ المحلّيّ المقَدَّر بـ /80.736/ مليار ليرة لعام 2019، أي ما يعادل /51/ مليار دولار أميركي على أساس سعر صرف يساوي /1,584/ ليرة للدولار الواحد، ارتفع تقديره إلى /440.255/ مليار ليرة لعام 2022، أي ما يعادل /22.01/ مليار دولار أميركي على أساس سعر صرف يساوي /20.000/ ليرة للدولار الواحد، ممّا يعني ارتقاب انكماش اقتصاديّ بنسبة 90% مقابل نموّ مرتقب بنسبة 3% (مشكوك بتحقّقه).
ومعدّل التضخُّم الذي بلغ 3.2% في العام 2019 ارتفع إلى 178% في العام 2021، ولم يتم تقديره بعد في العام 2022.
– وميزان المدفوعات يعاني من عجز مزمن، إلّا أن عجزه ارتفع في الآونة الأخيرة إلى حوالي 1,8 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2021.
– أمّا العجز الأكبر فهو في الميزان التجاريّ حيث بلغ أكثر من ملياري دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2021، وهو يمثّل الفرق بين الصادرات والواردات.
على الصعيد الماليّ، يقارن كنعان مشروع موازنة العام 2022 بمشروع موازنة العام 2021 الذي لم يُقدّم إلى مجلس النواب. وفي المقارنة:
• ارتفعت خدمة الدين العام من 3.106 مليار ليرة إلى 7.617 مليار ليرة أي بزيادةِ 4.511 مليار ليرة.
• وارتفع العجز الناتج عن الفرق بين الواردات والنفقات من 4.687 مليار ليرة إلى 10.263 مليار ليرة أي بزيادة 5.576 مليار ليرة.
• وارتفعت المعاشات التقاعديّة وتعويضات الصرف من الخدمة من 3.420 مليار ليرة إلى 3.620 مليار ليرة أي بزيادة 200 مليار ليرة.
• وارتفعت الاعتمادات المخصّصة للإنفاق الاستثماريّ من 735 مليار ليرة إلى 2.213 مليار ليرة أي بزيادة بلغت 1.478 مليار ليرة. أمّا في الواقع فقد انخفضت هذه الاعتمادات ممّا يعادل 490 مليون دولار أميركي إلى ما يعادل حوالي 111 مليون دولار أميركي، ممّا يعني انكماشاً أكبر في الاقتصاد، يقود حتماً إلى تدنّي واردات الدولة الذاتيّة وتقلّص فرص العمل.
• وارتفعت سلفة الخزينة المُقرَّر إعطاؤها إلى مؤسّسة كهرباء لبنان من 1.500 مليار ليرة إلى 5.250 مليار ليرة، بالإضافة إلى مبلغ احتياطي مماثل ارتقاباً لارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي وارتفاع أسعار المحروقات.
ويتوقف كنعان عند اشارة وزارة المال في فذلكة مشروع موازنة العام 2022 (الصفحة 9) إلى أنها اعتمدت سعر صرف واقعي في تقدير أرقام مشروع الموازنة، إلا أنه لا يمكن تلمس هذا السعر من خلال نظرة متفحصة لأرقام مشروع الموازنة. ولو كان الأمر كذلك لما تدنت أرقام النفقات عن 100 ألف مليار ليرة.
ويختم: ليس الهدف من إيراد هذه المؤشّرات المالية والاقتصادية إعطاء صورة غير متفائلة عن الأوضاع، بل للدلالة على حجم المشكلة التي سيتمّ درس ومناقشة مشروع موازنة العام 2022 في ضوئها من جهة، وللتذكير بأن وقت مواجهة الحقيقة، والمعالجة الفوريّة بالتالي، قد حان من جهة ثانية.
أمَا عن وسائل المعالجة، فالكلّ يعرفها لتكرار التذكير بها، وأبرزها تلك المتمثلة بالاتي:
1- خمسين توصية أصدرتها لجنة المال والموازنة بنتيجة درس مشاريع موازنات الدولة منذ العام 2010.
2- إعادة النظر بحجم القطاع العام المقرّرة منذ العام 2017 بموجب قانون سلسلة الرتب والرواتب، وأُعيد تأكيدها في قانون موازنة العام 2019.
3- إقامة الحكومة الإلكترونيّة التي تحدّ من تماسّ المواطن مع الموظف، وتحدّ بالتالي من الرشوة والفساد، وتساعد على إلغاء بعض الوظائف التي تنتفي الحاجة إليها. وهنا لا بد من التذكير بأن تمويل هذا المشروع مُؤمَّن من قبل البنك الدوليّ بقيمة 100 مليون دولار ويمكن المباشرة به في فترة وجيزة هي الفترة اللازمة لإقرار اتفاقيّة القرض.
4- إعادة النظر ببعض المساهمات المُقدَّمة إلى بعض الجمعيات والهيئات، أو وضع معايير واضحة لمنحها، ومراقبة إنفاقها في تحقيق الغاية التي أُعطيت من أجلها.
5- إعادة النظر بتخصيص الاعتمادات للتجهيزات والصيانة والمُراقبة.
6- إعادة النظر بالمؤسَّسات التي لا تعمل.
7- إعادة النظر بالنظام التقاعدي.
8- خفض كلفة فاتورة المحروقات، وبالتالي كلفة دعم مؤسسة كهرباء لبنان التي تستنفد 25% من واردات الدولة، وذلك بالذهاب إلى الغاز بديلاً عن المحروقات العاديّة من بنزين ومازوت وفيول أويل.
9- مكافحة التهرّب الضريبيّ والتهريب الجُمركي.
10- تطبيق خطّة الكهرباء دون مناكفات كبّدتنا منذ التاريخ الذي كان متوقّعاً لإنجازها في العام 2014، أكثر منْ اثني عشرة مليار دولار، وبالتالي بإعادة النظر بتعرفة مبيع الطاقة الكهربائيّة بالاستناد إلى كلفة إنتاجها.
11- الترفّع عن حساباتنا السياسيّة والعمل على حلّ مشكلة النازحين السوريّين بأقصى سرعة ممكنة.
12- وضع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص موضع التنفيذ.
13- إعادة النظر بالنظام الضريبيّ القائم على الضرائب النوعيَة وإقامة نظامٍ ضريبيّ قائم على الضريبة المُوحَّدة على المداخيل، ممّا يحقّق العدالة والمساواة بين المكلّفين.
14- إعادة النظر بتركيبة النظام الاقتصاديّ اللبنانيّ القائم على الريع الناتج عن الخدمات. فلبنان لم يعد مستشفى الشرق وجامعة الشرق وسياحة الشرق ومرفأ الشرق ومصرف الشرق. وتطوير هذا النظام باتجاه نظام قائم على الإنتاج، لاسيّما على صعيدي القطاعين الصناعيّ والزراعيّ، مع الإبقاء طبعاً على ما هو قائمٌ على صعيد الريع وتطويره.
15- إنجاز خطة للتعافي المالي والاقتصادي تحدد الخسائر بدقة وتوزعها بصورة عادلة بحيث لا تمس ودائع المودعين المصرفية.



