لمَ لا فرصة لأي مؤتمر دولي؟ (النهار 24 آذار)

زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى مصر والجامعة العربية اكتسبت بعدا مميزا على طريق تصويب موقع المسيحيين ومقاربتهم للعلاقات مع محيطهم العربي والتي اعترتها شوائب كبيرة خلال العهد الحالي ترجمت نفسها في المقاربة التي اعتمدها رئيس الجمهورية ميشال عون من الفاتيكان دفاعا عن سلاح ” حزب الله” وبمحورية كلفت لبنان غاليا جدا حتى الان. ومن المهم بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين ما دحضه الراعي في مقاربة رئيس الجمهورية على بعد اشهر قليلة من مغادرته موقعه ما يرسم خريطة طريق واضحة امام الموقع المسيحي الاول في المرحلة المقبلة.ويتفهم هؤلاء المراقبون المقاربة التي يعتمدها البطريرك الراعي لجهة رؤيته لسبل الخروج من الازمة الكبيرة التي يعاني منها لبنان ويقدرونها الى حد كبير.
ولكن يرى هؤلاء ان ثمة تعديلا يجب ان يطرأ على هذه المقاربة نتيجة تطورات دولية خطيرة لم تكن تسمح منذ عامين بانعقاد مؤتمر دولي من اجل المساعدة على نهوض لبنان وبات الامر اكثر صعوبة من اي وقت مضى بفعل الانقسامات الدولية نتيجة الحرب الروسية على اوكرانيا . يعتقد هؤلاء ان الاهتمام يجب ان ينصب بقوة على انجاز الاستحقاق الرئاسي وفق رؤية مختلفة جدا عن تلك التي اعتمدت في السابق بغض النظر عن اقتناع البعض بان على بكركي ان تبقى في منأى عن الصراع او التنافس الحاصل واقعيا واقتناع البعض الاخر بوجوب عدم ترك بكركي للاخرين ان يحددوا مواصفات من سيشغل الرئاسة الاولى وفق مصالحهم بعيدا عن مصلحة لبنان واللبنانيين وليس اي طائفة محددة حصرا بما فيها مصلحة المسيحيين. ويخشى اصحاب هذا الرأي بان الاصرار على ابراز ضرورة انعقاد مؤتمر دولي من دون النجاح في اقناع اي طرف داخلي او خارجي بهذه المقاربة من شأنه ان يؤثر سلبا على موقع الكنيسة فيما لا يخفون ان انعقاد اي مؤتمر من شأنه ان يضع على الطاولة اعادة هيكلة النظام اللبناني وربما دستور جديد يرجح كثر الا يكون في مصلحة الطوائف المسيحية لاعتبارات متعددة يدركها الجميع ولان ما تم الاتفاق عليه في اتفاق الطائف لن يتكرر بل سيشهد تعديلات حتمية لن تعيد الوضع المسيحي الى ما قبل اتفاق الطائف.
يدرك هؤلاء ان البطريرك الراعي يسعى الى توافق دولي واقليمي يحيد لبنان عن الصراعات في المنطقة ويضمن تحييده عن ان يكون ساحة تصفية للحسابات ولكن الاشكالية الكبرى راهنا في رأي المجتمع الدولي ان المشكلة اللبنانية تكمن في رغبة وارادة الافرقاء السياسيين للسير بخطة انقاذ وهم لا يريدون دفاعا عن مصالحهم ومواقعهم وازلامهم في السلطة . وعلى رغم كل التعهدات التي قدمت الى المجتمع الدولي بادراك المسؤولين لواقع الحال وللحلول المطلوبة، فانه وبعد اكثر من سنتين وبضعة اشهر على الانتفاضة الشعبية في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩، لم يظهر اهل السلطة اي استعداد لا للاصلاح ولا للتغيير في المقاربات المعتمدة ولا يستطيع احد ان يقدم حلولا او يفرضها اذا لم يشأ القيمون على السلطة ذلك. وهذه هي المشكلة الاكثر تعقيدا بالنسبة الى المجتمع الدولي من اي مشكلة سياسية مباشرة على رغم اعتقاد كثر ان المشكلة سياسية في الدرجة الاولى وهي تترجم نفسها انعكاسات سلبية بالغة على الوضعين الاقتصادي والمالي اضافة الى الوضع السياسي.
ولكن الاصرار باستمرار على المؤتمر الدولي يسلط الضوء على ان المشكلة التي يواجهها لبنان خارجية اكثر منها داخلية على عكس ما تراه دول مؤثرة ترى ان الانهيار المالي هو مسؤولية داخلية ويجب على اهل السلطة ايجاد المخرج الذي قدم اليهم عبر التفاوض مع صندوق النقد الدولي . وهذا لا يعني ان الامر بهذه البساطة وان لا تأثيرات قوية اقليمية ودولية على لبنان لا سيما انه ادرج مع دول مجاورة في اطار ساحات التجاذب او الصراع، ولكن ما يجري في القضاء او مع المصارف او التعنت في معمل للكهرباء في سلعاتا ورفض انشاء هيئة ناظمة للكهرباء
وهما امران يعيقان موافقة البنك الدولي على خطة الكهرباء حتى الان او عرقلة التحقيق في انفجار المرفأ في بيروت وقبلها الكثير من الامور المماثلة ، هي نماذج عن استعصاء داخلي ورفض لاهل السلطة القيام بالحد الادنى من واجباتهم في المحافظة على كرامة اللبنانيين ومصالحهم في مقابل اتاحة الفرصة لنشوء طبقة جديدة من اثرياء الانهيار الاقتصادي والمالي من كارتيلات النفط والمولدات والسوبر ماركات على حساب اهل العلم والثقافة والجامعات.
وينسحب عدم تطوير المقاربات السياسية على افرقاء سياسيين لا يشعرون ان تغير الامور لا يسمح باعتماد الخطابات او السياسات نفسها. فحين يتحدث رئيس الجمهورية عن مقاومة ” حزب الله ” للاحتلال الاسرائيلي يكون قد فاته ان هذه لم تعد قائمة منذ 2006 على الاقل وان الاحتلال الاسرائيلي انتهى في 2000 فيما ان لبنان لم يحصل على الوثائق السورية لاثبات ملكيته لمزارع شبعا ووافق على الخط الازرق للحدود بين لبنان واسرائيل .
كما ينسحب على ” حزب الله” نفسه في شعارات باتت مجوفة وفقدت فاعليتها على غرار معادلة ” الجيش والشعب والمقاومة” على خلفية وجوب اعادة تعريف المقاومة اولا وظروفها التي اختلفت جدا مع هدوء في الجنوب يصفق له المجتمع الدولي فيما ان ما يحصل في اوكرانيا من مقاومة للاجتياح الروسي اكثر ما ينطبق عليه تعريف معادلة ” الجيش والشعب والمقاومة ” فيما تقف هذه الركائز معا في مواجهة العرب الروسية. وتكفي ردود الفعل السياسية الرافضة لكلام الرئيس عون في الفاتيكان عن الحزب للدلالة على فقدان هذه المعادلة صحتها ودقتها.
الدور الوطني لبكركي بات يستدعي اكثر من اي وقت مضى اعادة تعريف لدور المسيحيين وموقعهم على قاعدة معايير قوية وواضحة لا يضعها او يمليها قادة او رؤساء الاحزاب فحسب الذين تحركهم مصالحهم السياسية والشخصية.



