لبنان لم يرفض عرض هوكشتاين بل قرّر دعوة أميركا لاستكمال المفاوضات.. والباب مفتوح أمام لبنان (الديار 19 آذار)
على الدولة «تحريك دورة التراخيص الثانية» وتلزيم شركات للعمل فوراً في بلوكات بعيدة عن النزاع

كتبت دوللي بشعلاني في” الديار”:
لم يرفض لبنان عرض الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي الذي أرسله خطيّاً لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع السفيرة الأميركية لديه دوروثي شيا منذ نحو أسبوعين، لكنّه قرّر بعد اجتماع رئاسي ضمّ كلاًّ من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النوّاب ظهر الجمعة في قصر بعبدا، وخُصّص للبحث في اقتراح هوكشتاين، دعوة الولايات المتحدة الأميركية الى الاستمرار في جهودها لاستكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية، وفقاً لاتفاق الأطار بما يحفظ مصلحة لبنان العليا والإستقرار في المنطقة، وشدّدوا على أنّ هذا الملف وطني بامتياز ويجب أن يبقى بعيداً عن التجاذبات والمزايدات التي لا طائل تحتها.
وتقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة انّ الإجتماع الرئاسي الذي عرض نتائج ما توصّلت اليه اللجنة التقنية التي درست اقتراح هوكشتاين لم يرفض عرض هوكشتاين الذي لم يُقدّم «حلّاً وسطياً» بين الجانبين بل عرضاً ينحاز الى العدو الإسرائيلي، ويؤمّن له مصالحه الإقتصادية في المنطقة، كونه لا يريد تفشيل الوساطة الأميركية، إنّما التمسّك بمصلحة لبنان كما بالحفاظ على الأمن والإستقرار في المنطقة. وسيتمّ تبليغ هوكشتاين بردّ لبنان الرسمي، الذي يحافظ على الوساطة الأميركية كون لبنان هو الذي طلبها خلال المفاوضات غير المباشرة مع العدوالإسرائيلي.
وذكّرت الاوساط بأن العرض الذي اقترحه هوكشتاين لا يُعطي لبنان «حقل قانا» حصراً، بل يُبقي قسمه الجنوبي خاضعاً للعدو الإسرائيلي الذي منحه كامل «حقل كاريش». الأمر الذي يفهمه البعض في الداخل، لا سيما حزب الله على أنّه نوع من التطبيع مع «إسرائيل»، وهو أمر مرفوض من قبله بأي شكل من الاشكال. وحتى وإن كان البعض الآخر قد يوافق على هذا الأمر. ولهذا فضّل لبنان التأكيد على «اتفاق الإطار» الذي انطلقت على أساسه المفاوضات مع العدو الإسرائيلي.
وكانت اللجنة التقنية قد درست اقتراح هوكشتاين، آخذة بالاعتبار موقف كلّ من حزب الله و»حركة أمل» اللذين رفضا إنشاء هذه اللجنة أو المشاركة فيها، كون الإقتراح الأميركي لرسم الحدود البحرية لن يعيد لبنان الى طاولة المفاوضات، «قويّاً» على ما كان عليه خلال الجولات الخمس التي جرت على مراحل بين 14 تشرين الأول 2020 و4 أيّار2021. وأحالت نتائج اجتماعها الى الرؤساء الثلاثة، الذين اجتمعوا ودرسوا العرض على مدى ساعتين ونصف الساعة.
وتابعت الأوساط نفسها، بأنّ اعتماد الخط 23 «متعرّجاً» في ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، على أنّ ينحرف هذا الخط صعوداً نحو الشمال عند البلوكين 8 و10، ويُبقي جنوب «حقل قانا» من حصّة «الإسرائيلي»، لن يوافق عليه لبنان، وإن كان سيقابل بالإفراج، عن تعليق عمل شركة «توتال» الفرنسية في البلوك 9 في المنطقة البحرية التابعة للبنان، أو في «حقل قانا» تحديداً. فأعمال التنقيب والاستكشاف من قبل شركة «توتال» التي كان يُفترض أن تبدأ في خريف العام 2020، وقد قامت بتأجيلها بذريعة أنّ بنداً من الاتفاق مع لبنان يسمح لها بهذا الأمر، والتي توقّفت فعلياً بسبب الضغوطات الأميركية عليها، وخشيتها من العمل بالتالي في منطقة متنازع عليها لا يسودها الأمن والإستقرار، يقترح هوكشتاين بانطلاقها فور قبول لبنان بعرضه الأخير. كما يطرح بأن تقوم شركة «إنرجين» اليونانية أو «هاليبرتون» الأميركية بإدارة «حقل قانا» كونه «حقلاً مشاركاً»، من العدو الإسرائيلي، وعلى أن تحصل أعمال التنقيب والاستكشاف وشفط الغاز والنفط في المنطقة تحت رعاية دولة قطر.
وبرأي الاوساط، إنّ رفض لبنان عرض هوكشتاين، قد يعود بالوساطة الأميركية الى «نقطة الصفر»، غير أنّه لا يُلغي خطوات عديدة يمكن للبنان القيام بها للاستثمار في المنطقة الاقتصادية الخالصة. فإذا كان «الهمّ الأميركي» أن يبدأ لبنان بأعمال التنقيب عن الغاز والنفط، وعدم تفويت فرصة حصوله على موارد مالية من إنتاج الغاز وتسويقه الى دول الخارج، فليس على الوسيط الأميركي أو الإدارة الأميركية تحديداً أن تمنعه من اتخاذ أي تدابير أخرى. علماً بأنّ هوكشتاين كان يعلم مسبقاً أنّ ما طرحه لن يوافق عليه لبنان الذي يرفض وجود «حقول مشتركة» أو أي شيء مشترك بينه وبين العدو الإسرائيلي.
من هنا، اقترحت الأوساط عينها، أن يقوم لبنان بتحريك «دورة التراخيص الثانية» التي كان سيقوم بها، غير آبه باعتراض «الإسرائيلي» عليها، ما دامت شركة «توتال» الفرنسية من ضمن «كونسرتيوم» الشركات النفطية «إيني» الإيطالية، و»نوفاتيك» الروسية، قد أوقفت عملها في البلوك 4 من دون أن تقدّم له تقريراً شاملاً عمّا اكتشفته فيه خلال استكشافها الأوّلي، والذي ذكر العارفون أنّه يحتاج الى استكشافات أعمق. كذلك فإنّ «توتال» تؤجّل بدء أي عمل في البلوك 9 لحجج واهية، مستفيدة من أحد بنود الإتفاقية مع لبنان، فيما هي مكبّلة بالضغوطات الأميركية. ولهذا، فإذا كان لبنان غير قادر على فسخ العقد مع «توتال»، أو على «إرغامها» على الوفاء بالتزاماتها معه وبدء عمليات الاستكشاف والتنقيب في «حقل قانا» من الجانب اللبناني في البقعة غير المتنازع عليها، قبل العام 2023، فمن الأجدى له، التفكير في العمل مع شركات أخرى، جاهزة لبدء العمل في بلوكات بحرية بعيدة عن المنطقة المتنازع عليها مع العدو الإسرائيلي، سيما أنّ المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان تضمّ 10 بلوكات كبيرة واعدة بوجود مكامن للغاز والنفط فيها بكميات ضخمة.
وتساءلت الاوساط: لماذا يعمل «الإسرائيلي» في «حقل كاريش» المحاذي للمنطقة المتنازع عليها، ولا يعترض لبنان على ذلك، في حين أنّ أكثر من نصفه يدخل ضمن الخط 29 الذي طرحه الوفد العسكري على طاولة الناقورة إستناداً الى دراسة المكتب البريطاني الهيدروغرافي التي وسّعت حدود لبنان البحرية الى الخط 29 بدلاً من الخط 23؟ وهل إذا بدأ لبنان بالعمل في البلوكات البحرية البعيدة عن منطقة النزاع، يحقّ للعدو الإسرائيلي، أو للإدارة الأميركية بتهديد الشركات النفطية لكي توقف عملها، في الوقت الذي لا يهزّ فيه ساكناً؟!
وأكّدت الأوساط نفسها أنّ لا شيء يُرغم لبنان على الموافقة على عرض لا يجد أنّه يصبّ في مصلحته، كما أنّ لا شيء يمنعه من إيجاد طرق أو وسائل أخرى للإستفادة من ثروته النفطية ما دام لا يتعدّى على حقوق أحد. وعلى هذا الأساس، عليه أن يباشر بدورة التراخيص الثانية وأن يضع شرطاً على الشركات الملزّمة بضرورة استئناف عملها في أقصى سرعة ممكنة، لكي يتمكّن من الإستفادة سريعاً من موارد ثروته البحرية، ومن تحسين وضعه الإقتصادي لاحقاً.



