المواجهة القضائية -المصرفية تهدد لبنان بالعزلة: معركة الحاصل الانتخابي! (النهار 18 آذار)

كتبت سابين عويس في” النهار”:
لا تخرج التطورات المتسارعة في المواجهة القضائية – المصرفية على مسافة أسابيع قليلة من الاستحقاق النيابي عن دائرة الشكوك المشروعة والمبررة حول قرار العهد في الأشهر الاخيرة من ولايته تقديم القطاع المصرفي ضحية على مذبح الانتخابات، والحاجة الى “انجاز” يصب في رصيد هذا الفريق السياسي الساعي الى تأمين استمراريته في السلطة. والهدف سهل التحقيق في ظل السمعة السيئة التي اكتسبتها المصارف بعد 17 تشرين الاول 2019، بفعل سياسة التخبط وارتكاب الأخطاء التي مارسها البعض منها وانسحبت زعزعة في الثقة بالقطاع، مترافقة مع عجز عن وضع أي خطة نحو اعادة الهيكلة والتعافي.
كان الجسم المصرفي “لبّيساً” لكل الاتهامات التي أُلصِقت به، ولم ينجح في وضع استراتيجية إعلامية شفافة تدافع عن صورته، بل على العكس، ساهم بصمته وتراجعه لمجموعات في مختلف الميادين في ان تصوٓب سهامها وتنجح في تقبيحه وضرب صدقيته وشعاراته التي أطلقها على مدى عقود.
ست محطات في المشهد المصرفي لا تبدو قليلة لكبح الانطباع بأنها، بتوقيتها ومضامينها، لا تنطوي على خلفيات لا يمكن عزلها عن المشهد السياسي.
ففي الوقت الذي أطلق رئيس الجمهورية ميشال عون حملته ضد الفساد مستهدفاً حصراً حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، على خلفية مطالبته بالتدقيق الجنائي، ظل مسار هذا التدقيق متعثراً برضى وتسليم من بعبدا، فيما سُجل في المقابل مسار قضائي داخلي وخارجي لم يسلم فيه الحاكم والمصارف.
من الأحكام القضائية في حق سلامة وعدد من المصارف، الى إغلاق فروع مصرفية في قبرص، الى تجميد أصول ستة مصارف (آخرها الاعتماد المصرفي)، الى تنفيذ الحجز على موجودات “فرنسبنك”، الى توقيف القاضية غادة عون شقيق سلامة، رجا، يبدو ان مسار تفتيت القطاع المصرفي قد بدأ يستكمل آخر حلقاته، حيث اصبح القطاع قاب قوسين من الانقطاع عن النظام المالي العالمي. ذلك ان الأسلوب “الشعبوي” المعتمد في المقاربة القضائية لهذا الملف الدقيق والحساس، بدأ يدفع المصارف المراسلة الى اعادة النظر بتعاملها مع القطاع المصرفي اللبناني. وكما هو معلوم، ربما في الوسط المصرفي والمالي فقط، ان عدداً كبيراً من هذه المصارف قد أوقف التعامل مع لبنان، ولم يبقَ الا ثلاثة او اربعة مصارف اميركية على ابعد تقدير لا تزال مستمرة في تعاملاتها، وهي باتت على المحك، لا يردعها حتى الآن الا قرار أميركي لا يزال يوفر مظلة واقية للقطاع المالي في لبنان. ويسمع مصرفيون كثر ان هذه المظلة قد لا تصمد كثيراً اذا تطورت المواجهة القضائية كما هي حاصلة الآن.
أمام تطور كهذا تضيق الخيارات المتاحة امام منع استدراج لبنان نحو العزلة المالية ويشعر الوسط المالي ان البلاد تؤخذ الى “خيار الشرق” قسراً وبفعل الامر الواقع. ولم يبقَ امام تحقيق هذا الخيار إلا ضربتين: إما مضاعفة العقوبات الاميركية، وإما توقف المصارف المراسلة عن التعامل مع المصارف اللبنانية.
يتضح هذا المسار اكثر عند الاستماع بتأنٍ الى شعارات الحملة الانتخابية لـ”التيار الوطني الحر”، والتي ركز فيها رئيسه على استرداد أموال المودعين، وقد استدرك الامر رئيس حزب “القوات اللبنانية” فأعلنها شعاراً ايضاً من شعارات الحملة “القواتية”.
ومع إقحام الملف المالي – القضائي في البازار الانتخابي، تتجه السلطة نحو هدم ما تبقّى من سمعة لبنان، وهي التي كانت أعلنت قبل عامين تخلّف البلاد للمرة الاولى في تاريخها عن سداد ديونها السيادية، وكل ذلك من اجل مكاسب انتخابية قصيرة النظر.
والسؤال المطروح اليوم: هل ثمة في الحلف الحاكم مَن يعي مخاطر توقف المصارف المراسلة عن تعاملاتها مع لبنان، وما يرتبه ذلك من عزل البلاد مالياً؟
تؤكد مصادر قانونية مطلعة على المخاطر الجدية التي تواجهها المصارف امام المصارف المراسلة. وتشير الى ان المصارف اللبنانية تجهد في شرح حقيقة القرارات والاجراءات المتخذة بالتأكيد على انها غير قضائية وغير نهائية، سيما وان غالبية المصارف المعنية بالدعاوى، المدّعون ليسوا من عملائها! وهذا يؤكد الطابع السياسي والشعبوية الذي تُتخذ فيه القرارات. وتكشف المصادر ان معظم المصارف المدعى عليها قررت الامتناع عن الدفاع والرضوخ للأحكام ليتبين انها ليست الوجهة المعنية بالدعاوى. من هنا اختارت المصادر تسمية تلك الدعاوى بدعاوى الحاصل الانتخابي التي تنتهي مفاعيلها مع اقفال صناديق الاقتراع، من دون ان تغفل الاشارة الى الانعكاسات السلبية والخطيرة التي سترتبها على القطاع المالي وعلى المودعين، وعلى منع اجراء محاسبة حقيقية وشاملة وشفافة وعادلة تحدد المسؤوليات وتحمّلها لكل أركان النظام الذي تولى ادارتها، وإلا، فإن الامور ستظل تدور في الحلقة المفرغة، ولن يدفع الثمن الا اصحاب الحقوق الذين يتم استغلالهم في السياسة وفي تصفية الحسابات!



