بيان صادر عن الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد حول إقرار مجلس النوَّاب اللبناني لقانون الشراء العام

في إطار متابعة الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد (الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية( لمسار تطوير المنظومة التشريعيَّة الخاصَّة بحوكمة الإدارة العامَّة ومكافحة الفساد، وبعد أن أقرَّ مجلس النوَّاب قانون الشراء العام الجديد الذي ينقل نظام الشراء من خمسينيَّات القرن الماضي إلى يومنا الحالي، ترى الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد بأنَّ القانون الجديد، وعلى أهميَّة أحكامه المتطورة والمعاصرة لقوانين الشراء العام حول العام، يتضمّن عدداً من الثغرات التي قد تسمح بتقويض هدفه وموضوعه.
فعلى الرغم من تطرُّق القانون إلى شفافيَّة إجراءات الشراء، إلَّا أنَّ المقاربة الإجرائيَّة المتبعة لتعزيز الشفافيَّة تُخرِج من الحسبان أنَّ الوصول إلى المعلومات هو حق دستوري وأساسي من حقوق الإنسان؛ وذلك ما يعني أنَّهُ عند تنظيم الشفافيَّة، يجب أن يتواءم هذا التنظيم مع المبادئ الدستوريَّة والقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ أمَّا المقاربة الإجرائيَّة للشفافيَّة في القانون الجديد فلا تتوافق والمبادئ الدستوريَّة أو القانون الدولي لحقوق الإنسان.
بالاستناد إلى ذلك نبيِّن الملاحظتين التاليتين حول قانون الشراء العام الجديد:
أولاً: لم يُشِر القانون الجديد بشكل مباشر إلى قانون الحق في الوصول إلى المعلومات وهو ما يُبشّرنا بأنَّ مجلس النوَّاب على طريق تشتيت القواعد القانونيَّة المنظّمة للحق في الوصول إلى المعلومات والذي سوف يؤدي حكماً إلى تقويض المنظومة التشريعيَّة لهذا الحق من خلال القوانين المتفرِّقة وهو ما يتعارض والمعايير الدوليَّة التسعة لتنظيمه، تماماً كما حصل في ما يخصّ منظومة الشراء العام الذي يسعى القانون الحالي إلى توحيد منظومته لحوكمة القطاع.
ثانياً: اتبع القانون الجديد النظريَّة اللبنانيَّة المبتدعة حول السريَّة المطلقة لنوع محدَّد من المعلومات وهو ما يخالف مبادئ وروحيَّة الدستور اللبناني والتزامات الدولة اللبنانيَّة الدوليَّة في هذا المجال، لا سيَّما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة الذي صادقت عليه الدولة اللبنانيَّة في العام ١٩٧٢؛ فالاستثناء لا يُمكن أن يكون مطلقاً إذ أن الأصل هو لإتاحة المعلومات دائماً إلَّا في حالات معيَّنة وبحسب كل حالة على حدى.
والهدف من وجود استثناء مطلق، وبالتالي عدم وجود سريَّة مطلقة، هو أنَّهُ في بعض الحالات قد تقتضي المصلحة العامَّة إتاحة معلومات معيَّنة ولو كانت توقع ضرر بجهة معيَّنة، علماً أنَّ ذلك يجب أن يكون دائماً خاضع لرقابة المحاكم المختصَّة.
كما ترى الجمعيَّة بأنَّ مجلس النوَّاب قد أضاع فرصتين ذهبيَّتين لتقوية الضمانات وفعاليَّة القانون وشفافيَّة الشراء العام من خلال:
أولاً: عدم تطرّق القانون بأي شكل من الأشكال لأصحاب الحقوق الاقتصاديَّة للشركات المتعاقدة والتي سوف تتعاقد مع الدولة أسوة ببلدان أخرى، وهو ما يُساهم في تغطية تضارب المصالح وجرم صرف النفوذ، كما وإضعاف التخطيط والسياسات من قبل إدارة الشراء العام الجديدة.
فعلى سبيل المثال، تمَّ إقرار قانون للشراء العام في سلوفاكيا يلزم الشركات المتعاقدة مع الدولة التصريح عن أصحاب الحقوق الاقتصاديَّة الخاصَّة بها وإلَّا يُصار إلى إلغاء التعاقد معها، مما دفع بخمس شركات اختيار إلغاء التعاقد على التصريح واستكمال العمل مع الدول ما يُبيِّن أنَّ هذه المعلومات قد تخفي على أقل تقدير تضارباً للمصالح.
ثانياً: عدم إشراك هيئات المجتمع المدني في مراقبة إجراءات الشراء أسوةً ببلدان أخرى أيضاً، علماً أنَّ البلدان التي أشركت هيئات المجتمع المدني في مراقبة إجراءات الشراء قد استفادت من ذلك لتعزيز المنافسة وزيادة نسب العارضين في المناقصات وهو ما ينعكس إيجاباً على الأسعار ونوعيَّة الخدمات.
إنَّ الجمعيَّة إذ علمت بمحتوى النسخة النهائيَّة لاقتراح القانون قبل إقراره عبر وسائل غير رسميَّة، وذلك نظراً لكون العلاقة بين هيئات المجتمع المدني غير ممأسسة وهو ما يؤثر سلباً أيضاً على اعتماد سياسة تشاركيَّة في اتخاذ القرار؛ إذ أنَّهُ لم يتم إقامة مشاورات عامَّة رسميَّة من قبل مجلس النوَّاب لهيئات المجتمع المدني.
من هنا ترى الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد أن القانون الجديد وعلى الرغم من أنَّ العديد من أحكامه تعمل على تطوير منظومة الشراء العام، إلَّا أنَّهُ يملك عدد من المساحات التي تتيح للمتربصين بالإدارة العامَّة ومقدِّرات الشعب اللبناني أن يعيثوا فساداً فيها، فعدم التعاطي مع الشفافيَّة على أنَّها حق دستوري وأساسي من حقوق الإنسان، وعدم التطرق لأصحاب الحقوق الاقتصاديَّة للشركات المتعاقدة والتي سوف تتعاقد مع الدولة، كما وعدم إشراك هيئات المجتمع المدني في مراقبة إجراءات الشراء.. كل ذلك يقوِّض فعاليَّة القانون الجديد.



