أخبار لبنانابرز الاخبار

لماذا لا يطبّق قانون تنظيم قطاع الكهرباء قبل زيادة التعرفة؟

نهاية الأسبوع الفائت، خرج وزير الطاقة الدكتور وليد فياض من اجتماع السرايا الحكومية الذي ضمّ الى رئيس الحكومة وفداً من البنك الدولي ليعلن للرأي العام أنه “يجب تحسين تعرفة الكهرباء لتغطية الجزء الأكبر من الكلفة لمؤسسة كهرباء لبنان التي ستزوّد المواطنين بالتيار بكلفة أرخص، وستكون لنحو ٧٥ بالمئة من المشتركين بكلفة أقل من ١٤ سنتاً للكيلوواط ساعة، كما ستكون الكلفة المتوقعة للمنزل أقلّ بـ٦٠ بالمئة من كلفة المولدات الخاصة”.
يأتي هذا الموقف في زمن الظلمة وانهيار مؤسسة كهرباء لبنان العاجزة حتى عن تأمين ساعتين من التيار كل 24 ساعة.
واللافت هو تزامن الكشف عن قرار رفع التعرفة مع وعد غير أكيد بأن ساعات التغذية ستلامس 10 ساعات يومياً في الربيع إذا سارت الأمور بدون عراقيل.
في الواقع، وبنتيجة التجارب السابقة، لا مكان للثقة بأن لبنان سينعم بالكهرباء في المدى المنظور، مع مجلس إدارة في كهرباء لبنان مستسلم لإرادة الوزير، رغم استقلاليته، فضلاً عن إدارته من قبل سلطة سياسية فاسدة وفاشلة، لا تلتزم بمقتضيات الحوكمة والنزاهة والقيادة الرشيدة.
وما الإسراع في تطبيق تعرفة جديدة للكهرباء على اعتبار أنها المنفذ الوحيد لتصويب أداء المؤسسة والتخفيف من عجزها مقابل زيادة ضخّ ساعات قليلة على الشبكة سوى ذرّ الرماد في العيون، خصوصاً أن مشكلة الكهرباء أكثر تعقيداً من أن تعالج بتعرفة جديدة تبقى دون التكلفة.
هذا المرفق الخدماتي الحيوي تشوبه ثغرٌ متعدّدة مغلّفة بتدخلات سياسية وكيديات، ومبطّنة بصفقات وسمسرات تهدّد بإزالة المؤسسة من الوجود.
صحيح أن ضرورة إصلاح قطاع الكهرباء هو في مقدمة مطالب كل من صندوق النقد والبنك الدولي وحتى جميع الدول المانحة، الممثّلة بالموفد الفرنسي السفير بيار دوكان المكلّف متابعة مقرّرات مؤتمر “سيدر” والذي لطالما ذكّر المسؤولين اللبنانيين “بأن 60 في المئة من العجز يأتي من كهرباء لبنان، وبالتالي لا بد من التصرّف، مشدداً على ضرورة تحسين جباية الكهرباء”.
وإذ يلفت صندوق النقد الى “وجوب تعديل التعرفة”، فهو يركّز بشكل رئيسي على أهمية تعيين الهيئة الناظمة للقطاع، التي ما زالت تدور في فلك رفض الوزير لأخذ الهيئة من صلاحياته.
أما البنك الدولي فيحثّ على تحقيق مجموعة إجراءات تصحيحيّة في القطاع قبل الموافقة على إعطاء القرض المطلوب لتمويل نقل الغاز المصري، وذلك للتأكّد من قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على سداد هذا الالتزام لاحقاً. ومن هذه الشروط، زيادة متوسّط تعرفة الكهرباء من 138 ليرة للكيلوواط إلى 2000 ليرة، مع الإبقاء على سياسة الشطور المعتمدة حالياً، أي زيادة التعرفة تصاعدياً حسب شطور الاستهلاك، بحيث تزيد التعرفة عبء المواطن بنحو 13 مرّة.
الى جانب هذه الخطوة، هناك مجموعة شروط يجب أن تلتزم بها وزارة الطاقة خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع الاستفادة من قرض البنك:
1- معالجة الهدر غير الفنّيّ، الناتج عن التعدّيات على الشبكة في الكثير من المناطق، والذي يستنزف أكثر من 35% من الإنتاج الموّزع. وهذا يستدعي غطاءً سياسياً لإزالة التعدّيات.
2- تقليص الهدر الفنّيّ، الناتج عن ضعف شبكات النقل وعدم التحصيل، والذي يستنزف 16.5% من الإنتاج.
3- وضع خطّة لتحصيل المتأخّرات، التي ارتفعت نسبتها ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة نتيجة تباطؤ الجباية في العديد من المناطق، وخصوصاً خلال أزمة المحروقات.
الجدير ذكره، أن كل الإحصاءات تدلّ على أن الخسارة على الشبكة تتجاوز 45% بينها ما بين 30 الى 35% بسبب التعديات وما بين 10 إلى 15% خسارة فنية، وفق الخبراء الفنيين.
والهدف من التلاعب بالنسب هو إيهام الرأي العام بضبط المخالفات، فيما الحقيقة هي غير ذلك. وأمّا ادّعاء اهتراء الشبكة فإنما يصبّ في خانة التبرير لطلب السلفات المالية.
إن كانت زيادة التعرفة مدخل الحلول لمشاكل الكهرباء في لبنان، فهل التوقيت ملائم اليوم مع ساعتي تغذية وحتى مع 10 ساعات لتحقيق طموح وزارة الطاقة؟ ولمن تعود الصلاحية في ذلك؟
معوّض
يؤكد المدير العام الأسبق لمؤسسة كهرباء لبنان المهندس جورج معوض لـ”النهار”، “أن قانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان واضح، لكونها مؤسسة عامة مستقلة ومجلس إدارتها هو الذي يتولّى وضع دراسة حول التعرفة بعد مراجعة الأجهزة المختصة في المؤسسة دون أن تتوّخى الربح بل بما يؤمن استمراريتها، ويغطّي حاجاتها التطويرية، على أن يتخذ مجلس إدارتها قراره بشأنها ويرفعه الى وزارتي الوصاية والمالية لتصديقه والموافقة عليه قبل رفعها الى مجلس الوزراء.
التعرفة الحالية مطبّقة منذ 1994 بشطور يبلغ متوسطها 138 ليرة للكيلوواط، على أساس سعر 25 دولاراً لبرميل النفط. وفي عام 1999، عندما كنت مديراً عاماً للمؤسسة، طلبنا مساعدة كهرباء فرنسا في وضع تعرفة جديدة لكهرباء لبنان، بعدما لحظنا بعض الثغر في ما هو معتمد، ولكنها لم تبصر النور لعدة أسباب”.
ويرى معوّض “أن قرار التعرفة حقّ، ولكن يجب مراعاة التوقيت والآلية. وهذا غير ممكن مع شبكة وأوضاع غير مستقرّة تساعد على تحديد الرسم الثابت”.
بيضون
أما المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون فيصف قرار زيادة تعرفة الكهرباء في هذه الظروف بـ”العشوائي، وغير الواقعي، لتجاهله التعقيدات الفنية والمالية والسياسية التي بإمكانها عرقلة تنفيذ اتفاقيات تأمين الكهرباء من الأردن والغاز المصري والنفط العراقي، والوعد بتأمين 10 ساعات تغذية يومياً فقط في أحسن الأحوال، فيما حاجة المستهلك هي الـ24 ساعة. فماذا لو زيدت التعرفة ورافقها ارتفاع في فاتورة المولّد على الساعات الأخرى، وازداد الهدر واستمداد الطاقة بطريقة غير شرعية الى أكثر من 50% الحالية بسبب عدم قدرة المستهلك على الدفع، هذا فضلاً عن تأخر ورود تحصيلات التعرفة الجديدة، فمن سيتولّى تغطية فواتير الدول المعنيّة والبنك الدولي عند استحقاقها؟
هذا مع التذكير بسلفة الخزينة للكهرباء الواردة في مشروع موازنة 2022 بقيمة 5350 مليار ليرة واستمرار الغش في عدم تحديد أجل لاستحقاقها وإدراجها في آخر جدول اعتمادات الموازنة التي تمثّل إنفاقاً نهائياً؟!”.
ويضيف بيضون: “إن تدخّل مجلس الوزراء في شؤون المؤسسة منذ الثمانينيات هو أساس مشكلة عجزها المالي. وكذلك إلزامها بعقود البواخر ومقدّمي الخدمات في إطار خطة الكهرباء الفاشلة”.
ويقول بيضون: “إن رفع تعرفة الكهرباء ليس من صلاحيات وزارة الطاقة”. ويقترح “التمييز بين تعرفة المؤسسات والمنظمات الدولية والتجارية والمصانع والمصارف ومكاتب الأعمال وغيرها من ذوي القدرة الاقتصادية من جهة، وبين استهلاك محدودي الدخل من جهة ثانية، وذلك عملاً بقاعدة العدالة ومراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. فكيف نفكّر في رفع التعرفة الى ما ما بين 2000 و2500 ليرة على الشطر الاول مع زيادة تدريجية، الى جانب رسوم ثابتة إضافية، فيما الحدّ الأدنى للأجر رسمياً ما زال عند 675 ألف ليرة؟”.
ويرى بيضون “أنه لا يكفي لتبرير التعرفة أن تكون أقل من تسعيرة المولّدات وكأنها تنافس المؤسسة ما دامت هناك حاجة الى 14 ساعة تغذية منها. والأخيرة مرتبطة بسعر صرف الدولار وارتفاع سعر المازوت. ولا بدّ من استعراض حقيقة الأوضاع المالية للمؤسسة والمبالغ المستحقة عليها بالدولار للمتعهّدين، ووضع تصوّر واضح ومقنع لمعالجة التأخر في الجباية”.
ويذكّر”بضرورة إعادة تأهيل مبنى المؤسسة ومركز التحكّم وتعزيز أوضاعها وإدارتها مع تعيين رئيس جديد لمجلس الإدارة الى جانب تعيين مديريها بالأصالة لتحريرهم من التسلّط”.
قانون تنظيم الكهرباء
مؤخراً، طرح النائب المستقيل نعمة افرام مقاربة شاملة لملفّ الكهرباء، لافتاً إلى وجوب محاسبة كلّ من عرقل تنفيذ قانون تنظيم الكهرباء رقم 462 وتسبّب بالانهيار كله والحالة الرديئة التي وصلنا إليها.
إن وزارة الطاقة والمياه مدعوّة الى العمل على تطبيق أحكام هذا القانون بدءاً من تعيين الهيئة الناظمة عملاً بالمادة 12 منه، لتتولى الرقابة على القطاع كمدخل للإصلاح وتأمين زيادة الإنتاج، بالشراكة مع القطاع الخاص، بدءاً من مشاريع الطاقة الشمسية الى جانب معالجة تعرفة مبيع الطاقة الى الامتيازات، والمستحقات على الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات والمخيمات الفلسطينية… وإلزام العديد من السياسيين النافذين الممتنعين عن دفع ثمن الطاقة المستهلكة وعدم قدرة المؤسسة على قطع التيّار عنهم.

بواسطة
رولى راشد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى