أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

التدقيق الجنائي المالي انتهى قبل أن يبدأّ! (اللواء 10 كانون الأول)

كتب د.مازن خطاب في ” اللواء “:

أقرّ مجلس النواب القانون رقم ٢٠٠ في ٢١ كانون الأول ٢٠٢٠ والذي يرمي الى تعليق أحكام قانون السرية المصرفية لعام ١٩٥٦، والسماح برفع السرّية المصرفية عن كل حسابات المصرف المركزي والوزارات والإدارات العامة لمدة عام بعد ربطه بالتدقيق الجنائي المالي، الّا أنّ التفاصيل المرتبطة بتنفيذ القانون مازالت قيد علامات استفهام عديدة، خصوصاً وأنّ صياغة القانون تحتمل التأويل لمَن يريد اختلاق عقبات تقنية تسمح ببقاء الغطاء السياسي على زبائن الطبقة السياسية البائدة في الوزارات والإدارات والهيئات والمجالس والصناديق والمصارف وغيرها.

تنتهي مفاعيل القانون رقم ٢٠٠/٢٠٢٠ في ٢٨ كانون الأول ٢٠٢١ في حين أن الشركة المدققة «ألفاريز آند مارسال» باشرت عملها في ٢١ تشرين الأول ٢٠٢١ بفعل التأخير في توقيع عقد جديد معها بحجة عدم صلاحية حكومة تصريف الأعمال القيام بذلك والحاجة الى توقيع العقد مع حكومة مكتملة الاوصاف. وبهدف معالجة مشكلة اقتراب انتهاء مهلة السنة المقررة أصلاً، ينبغي على مجلس النوّاب أن يقرّ قانوناً جديداً يرمي الى تمديد العمل بالقانون ٢٠٠/٢٠٢٠ الى حين انتهاء عمل التدقيق الجنائي المالي ولغايات إتمامه حتّى يتسنّى للشركة المدقّقة النّظر في حسابات أكثر من ١٢٠٠ مؤسسة عامّة يفترض أن يشملها التدقيق، مع ادخال تعديلات فيه تسدّ الثغرات التي اعترته، ومن أبرزها التالي:
أولاً – إنّ هدف التدقيق الجنائي المالي مساعدة لبنان على تقويم الوضع المالي لمصرف لبنان وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ولكي يتم ذلك، من المفترض أن يسمح هذا التدقيق بمعرفة مبلغ الاحتياطي بالدولار وكميّة احتياطي الذهب في مصرف لبنان، والكشف عن خسائر المصرف المركزي والفجوة الماليّة التي يعاني منها، لا سيّما البحث عن كيف صُرفت القروض المدعومة وإذا ما صُرفت في الوجهة الصحيحة أو في وجهة غير مخصصة لها، والبحث في هندسات مصرف لبنان المالية وتدخّلاته في الأسواق الماليّة والتبرعات التي قدّمها إلى المؤسسات الخاصة، بما فيها المصارف، المحميّة بالسرية المصرفية بموجب المادة ١٥١ من قانون النقد والتسليف الصادر بالمرسوم رقم ١٣٥١٣ لعام ١٩٦٣، والتي لم تُعلّق أحكامها كما تستدعي حاجة التدقيق.
ثانياً – عطفاً على النقطة السابقة، إنّ القانون رقم ٢٠٠/٢٠٢٠ لا يحدّد ما يعنيه النصّ الذي جاء فيه «[…] كل ما يتعلّق بعمليات التدقيق المالي و/او التحقيق الجنائي التي قررتها وتقررها الحكومة على حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامّة، أيا تكن طبيعة هذه الحسابات»، وبالتالي لم يشمل القانون حسابات موظفي مصرف لبنان، كما لم يذكر بصراحة حسابات المصارف لدى المصرف المركزي، والتي يجب أن يشملها القانون صراحةً ودون مواربة ويوجب تحديد هذه الحسابات كافة منعاً لإمكانية تهريب او تعمية أي منها عن مجهر التدقيق.
ثالثاً – إنّ القانون رقم ٢٠٠/٢٠٢٠ جاء محدوداً ومحدّداً في اطاره كونه ربط تعليق مفاعيل السرية المصرفية بشروط دقيقة ومحدّدة أبرزها أن يكون التدقيق ضمن الأطر والغايات المقرّرة من قِبَل الحكومة ولا يمتد إلى الأجهزة الرقابية وإلى السلطة القضائية صاحبة الصلاحية بالمساءلة والمحاسبة، ما يعني أنّه قد يمنع أي استخدام محتمل لنتائج التدقيق أمام الهيئات الرقابية والقضائية.
بالنتيجة يأتي التدقيق في حسابات لبنان متأخراً ومشوباً بالشكوك بأن تفتح هذه الخطوة باب المحاسبة نظراً الى الثغرات في القانون ٢٠٠/٢٠٢٠ وإطار التدقيق الجنائي الضّيق الذي يحدّ من نطاق عمل الشركة المدقّقة، ما يحول دون البحث عن أسباب الخسائر الفعليّة في ميزانيات مصرف لبنان ويقلّل من قيمة ما سيكشفه من أرقام وحقائق. ومن ناحية ثانية لا يمكن تفسير تسهيل عمليّة التدقيق الجنائي اليوم من قبل مصرف لبنان وسائر أقطاب السلطة إلا بارتياحهم لنطاق عمل الشركة الجديد، بعد التسويف الذي عرقل إطلاق التدقيق منذ أكثر من سنة. ويبدو أنّ عقد التدقيق مع الشركة المدققة «ألفاريز آند مارسال» وُضع بعناية لتأمين حمايات سياسية وتوجيه التدقيق في أطر محددة وضيّقة.
وإذا كان صندوق النقد الدّولي قد اشترط إنجاز التدقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي للتحقّق من أرقام الخسائر قبل الشروع بالمفاوضات مع لبنان، الّا أن التحدّي يكمن في اقناع صندوق النقد الدولي بحقيقة ما سيكشفه وباستعداد لبنان وقدرته على الملاحقة والمساءلة والمحاسبة على ضوء نتائجه وفي حال توفّر شبهات بتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، تحت مغبّة حرمان لبنان من المساعدات والدعم الدولي.
عدا عن ذلك يكون التدقيق الجنائي المالي في شكله الحالي خطوة استعراضية لامتصاص الغضب الشعبي ومحاولة انتزاع سند ابراء ذمّة غبّ الطلب للطبقة السياسيّة الغاشمة التي تسعى جاهدة لتعويم نفسها خصوصاً أن الانتخابات النيابيّة باتت على الأبواب. ويؤكّد الواقع القائم أنّ التدقيق الجنائي المالي انتهى قبل أن يبدأّ بما شابَهُ من ممارسة العرقلة وسوء النوايا والغموض، وما يحيطه من الشكوك المُحقّة حول إمكانية توجيه النتائج إلى اكتشاف أخطاء تقنيّة وحسابيّة وليس فساداً ونهباً للمال العام.

بواسطة
د. مازن خطاب
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى