البلد على كف عفريت في ظلّ إعادة ترسيم للعلاقات الديبلوماسية الإقليمية (الديار 13 تشرين الثاني)
الضغوطات على لبنان الى إرتفاع... والهدف ترسيم الحدود الجنوبية

الفوضى على أشدّها سياسيًا، وقضائيًا، وإقتصاديًا، وماليًا، ونقديًا، ومعيشيًا! هذه الفوضى غير المُنظّمة تُلقي بظلالها على كل شيء حتى أصبح المواطن يعيش كابوسا كأنه في فيلم من إنتاج هوليوود وإخراج دولي وتنفيذ محلّي. فبعد أحداث الطيونة والتي ذهب ضحيّتها 7 ضحايا، إنتقل البلد إلى مرحلة جديدة عنوانها الفوضى فُقدت فيها سيادة القانون وزاد الفساد، والإحتكار، والسرقة، وإرتفاع الأسعار، وفقدان السلع، وتفقير الشعب. هذا الشعب الذي يأن تحت ضغوط لم يراها المواطن منذ منتصف القرن الماضي حتى في عزّ الحرب الأهلية. ويبقى الأكثر نفورًا هو التفلّت الحاصل في الدولار والذي تقف حكومة ميقاتي كما وقفت سابقتها مُتفرّجة على تطبيقات ترفع سعر دولارها من دون أن ترى في هذه التطبيقات أي مسّ لأمنها القوميّ وتفقير لشعبها!
إعادة ترسيم للعلاقات الديبلوماسية في الإقليم
تمرّ العلاقات بين الدول في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي في مرحلة إعادة رسم وتموضع للدول على الخارطة السياسية. وتشمل إعادة التموضع هذه إنتقال دول من خندق إلى خندق أخر في ظل حسابات جيوسياسية وجيو-إقتصادية مُعقدّة تلعب فيها الولايات المُتحدة الأميركية وروسيا دور المُقرّر والدول الإقليمية دور المنفّذ.
وبالنظر إلى التطور في العلاقات الإماراتية – السورية، يرى البعض في الموقف الإماراتي تجاه سوريا إنعطافًا مُلفتًا للموقف الخليجي من نظام الرئيس بشار الأسد. إلا أن البعض الأخر يرى في هذا الموقف خطوة مُتقدّمة لسحب سوريا إلى الخندق الأخر خصوصًا الرغبة الأميركية – الروسية المُشتركة بسحب النفوذ الإيراني من بلاد الشام. وبغض النظر عن حقيقة خلفيات التقارب الإماراتي – السوري، فإن تداعيات هذا التقارب ستظهر قريبًا بترجمة إقتصادية سيكون لها تداعيات كبيرة على الداخل السوري (خصوصًا إقتصاديًا) ولكن أيضًا على العلاقة السورية بالجوار.
يرى إقتصادي مُخضّرم أن فرضية تقارب سوري – خليجي تفرض تعقيدات في العلاقات الإقتصادية اللبنانية – السورية خصوصًا في ظل التوتر الحاصل بين لبنان ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. ويُضيف أن الضغط الأميركي المباشر على لبنان في ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي والذي لم يؤت بنتيجة ملموسة حتى الساعة، قد يتم إستكماله بضغط اقليمي على لبنان.
وفي جردة على العلاقات البينية بين الدول الإقليمية، نرى أن هناك تقاربا خليجيا – عراقيا (مع حكومة الكاظمي)، وتقارب خليجيا – سوريا (مع نظام الرئيس الأسد)، وتقاربا خليجيا – إسرائيليا من خلال التطبيع مع الدولة العبرية، وعلاقة إستراتيجية بين دول الخليج ومصر. في المقابل، اللُحمة الإيرانية – اليمنية (مع الحوثيين)، والدعم الإيراني للحشد الشعبي يبرزان مواجهة بين محورين الأول مدعوم من الولايات المُتحدة الأميركية والثاني من روسيا ومن الصين. ويُمكن إختصار هذه المواجهة بين المحورين على ثلاث جبهات: النفوذ في المنطقة، المصالح الإقتصادية، والقوة العسكرية.
وفي ظل هذه المواجهة التي إستفحلت عسكريًا في الأعوام المُنصرمة، وإقتصاديًا على جبهة العقوبات، وديبلوماسيًا على صعيد العزل السياسي، يقف لبنان مُنقسمًا عاموديًا بين هذين المحورين وهو ما خلق حالا من الفوضى طالت كل الأصعدة في لبنان وشلّت عمل المؤسسات الدستورية والإدارية للدولة اللبنانية. وبالتالي إحتدم الصراع في لبنان بين مكوناته لدرجة الإحتكاك المُسلّح في أحداث الطيونة والتي أظهرت إرتباط هذه المكونات بالمحورين بشكل عضوي تخطّى علاقة التأثير السياسي ليأخذ – أي التأثير – أبعادًا إقتصادية وحتى عسكرية.
هذا ويقول وزير سابق مُعارض أن المطلوب من لبنان هو التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وأن الموقف الأميركي الأخير الذي صدر عن مبعوث الطاقة لوزارة الخارجية الأميركية أموس هوكشتاين في مقابلة تلفزيونية على قناة CNBC أنّ «لبنان يحتاج إلى حكومات خليجية لتكون داعمة على المدى الطويل»، والموقف الإسرائيلي الذي أعلن على لسان مصدر أمني إسرائيلي لـ»الحدث»: «مستعدون لتقديم تنازلات في اتفاق الغاز مع لبنان، لكن لن نتنازل على حساب أمننا»، يُشكّلان محاولة واضحة من قبل المحور الأول لـ «دفع لبنان إلى الحضن الإسرائيلي».
فوضى في ظل غياب القرار الداخلي
كما يقول وزير سابق في حكومة حسان دياب في إحدى جلساته الخاصة: «فرحتم بالتخلّص من حكومتنا وبمجيء حكومة جديدة». هل يُمكنكم أن تقولوا لي ماذا فعلت هذه الحكومة الجديدة؟ لا شيء ولن تستطيع القيام بأي شيء! ميقاتي قَبِلَ التكليف بتشكيل الحكومة مع علمه المُسبق أن الحكومة لن تكون قادرة في أحسن الأحوال إلا الإشراف على الإنتخابات (إذا ما حصلت). إنها عملية غشّ قامت بها القوى السياسية تجاه المواطن وتجاه حكومة دياب لأنها تعلم أن لا كلمة للبنان في مصيره، بل سينتظر ما تُقرّره المفاوضات الإقليمية (-الدولية) ليتحدّد مصيره. ويُضيف «يُريدون رأس حزب الله، لكن عضمه قاسي».
هذا القول يتقاطع مع ما يعتقده بعض المُحللين السياسيين، الذين يقولون أن ما حصل مع الوزير قرداحي هو عملية مُدبرة من الأساس وإن حجّة التصعيد الخليجي مع لبنان كانت لتأتي من أي سبب أخر. إلا أن سقطة الوزير قرداحي أتت في الوقت المناسب خصوصًا في ظل إعادة ترسيم للعلاقات الديبلوماسية في الإقليم.
المواجهة القائمة بين القوى السياسية يُمكن إختصارها بمواجهة بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، وبين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، وبين حزب الله والقوات اللبنانية. في المقابل تراجعت حدّة المواجهة بين كلٍ من الإشتراكي والأزرق مع البرتقالي. وتتمثل جبهات المواجهة على ملفات عديدة منها ملف تفجير مرفأ بيروت، وأحداث الطيونة، وملفّ الكهرباء، وملف الإصلاحات، والتعيينات… والنتيجة تعطيل لمجلس الوزراء!



