“الخاص” يصحح الأجور بزيادات لا تدخل في أساس الراتب (النهار 3 تشرين الثاني)

كتب موريس متى في ” النهار”:
يواجه لبنان منذ صيف 2019 انهياراً اقتصادياً غير مسبوق يعدّ من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبات أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، في حين فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 100% من قيمتها أمام الدولار.
في دراسة أصدرها مؤخرا مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، ووفقاً لمحاكاة أسعار المواد الغذائية، فإنّ كلفة الغذاء بالحد الأدنى لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد أصبحت تقدر شهرياً بأكثر من 3,500,000 ليرة لبنانيّة من دون احتساب تكاليف المياه والكهرباء والغاز. ويساوي الحد الأدنى للأجور في لبنان حاليا 675 ألف ليرة، أي ما كان يعادل 450 دولاراً قبل الأزمة مع احتساب سعر صرف الدولار عند 1500 ليرة، لتتراجع القيمة ألفعلية للحد الادنى للأجور حاليا إلى ما يقارب 30 دولاراً بحسب سعر الصرف في السوق السوداء.
يدخل موظفو الإدارة في إضراب مفتوح بدءا من أول تشرين الثاني المقبل، اذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم ومنها احتساب الرواتب على أساس مؤشر الغلاء الحالي، وحل مشكلة تدني التقديمات الاجتماعية والصحية ومعالجة كلفة الانتقال بتأمين قسيمة نصف صفيحة بنزين عن كل يوم حضور، واحتساب تعويضات الصرف على أساس القيمة الحقيقية للدولار وغيرها من المطالب. ومع استمرار ارتفاع الأسعار ستجد الأكثرية الساحقة من الأسر في لبنان صعوبة في تأمين قوتها بالحدّ الأدنى المطلوب من دون دعم عائلي أو أهلي أو مساعدة من مؤسسات الإغاثة، ما يحتم على القطاعين العام والخاص العمل بجهد على تصحيح الرواتب والاجور.
وفي هذا السياق، خرج الاجتماع الاخير للجنة المؤشر الذي عقد للمرة الأولى منذ 5 سنوات وخصص للنظر بمعالجة رواتب وأجور العاملين في القطاعين العام والخاص. وخلال الاجتماع تم الاتفاق على ان هناك امورا لا تحتمل التأجيل، وهي الوضع الاقتصادي الداهم مع الاخذ في الاعتبار دقة المرحلة، مالية الدولة، اصحاب العمل، الشركات والمؤسسات والحالة المزرية للعمال على المستوى الاجتماعي، وبالتالي حاول الحاضرون التوصل إلى نوع من المخارج التي تستجيب للطوارئ الاقتصادية، وهي الاتفاق على استمرار النقاش العلمي للوصول إلى ارقام دقيقة بحد أدني مناسب بالتوازي مع وجوب توحيد أسعار الصرف. اما على مستوى الطوارئ الاقتصادية فتم التوافق على اعتماد بدل النقل اليومي في القطاع الخاص بشكل موحد مع القطاع العام بحسب ما ستقرره الحكومة اللبنانية في ما يتعلق ببدل النقل اليومي الحضوري الذي سيصار إلى اعتماده في القطاع الخاص.
وعلمت “النهار” انه في الاسبوع المقبل سيخرج عن الحكومة قرار يرفع بدل النقل اليومي من 24 ألف ليرة إلى 65 ألفا بدلا من 100 ألف ليرة طالب بها الاتحاد العمالي العام.
فبحسب الدراسة التي وُضعت وجرى البحث فيها مع وزير المال يوسف الخليل والهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، فان بدل النقل اليومي كان قد حدد سابقا عند 8000 ليرة يوم كان سعر صفيحة البنزين عند 32 ألف ليرة، اي ربع سعر الصفيحة. أما حاليا وسعر صفيحة البنزين عند 300 ألف ليرة فلا يمكن الابقاء على 24 ألف ليرة لبدل النقل اليومي، كما أكدت الهيئات الاقتصادية ان القطاع الخاص لا يمكنه تحمل بدل نقل يومي عند 100 ألف ليرة، فتقرر اعتماد بدل عند 65 ألفا. أما في ما يتعلق بالمنح التعليمية في القطاع الخاص فقد تم الاتفاق خلال اجتماع لجنة المؤشر على رفع المنح في ما يتعلق بالمدرسة الرسمية عن كل ولد والتي كانت 400 ألف ليرة إلى مليون ليرة بما لا يتجاوز النسب المحددة في المراسيم المرعية الاجراء. واما في المدارس الخاصة فتم رفع قيمة المنحة عن كل ولد من 750 ألف ليرة إلى مليوني ليرة بما لا يتجاوز حدود المراسيم المرعية الاجراء.
في سياق متصل، وبعد الحديث عن إمكانية ان تعتمد وزارة المال بدءا من العام 2022 إحتساب رواتب القطاع العام على اساس 3900 ليرة للدولار، في مسعى لتصحيح الرواتب في ظل انهيار الليرة وتدني القيمة الفعلية للرواتب والاجور بالليرة اللبنانية، عاد وسُحب هذا الاقتراح من التداول بعد مراجعة المجلس المركزي لدى مصرف لبنان ودرس التبعات على حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في الاسواق.
فبحسب الارقام يتخطى حجم الكتلة النقدية حاليا 40 ألف مليار ليرة، فيما كلفة الرواتب والاجور تصل شهريا إلى 1000 مليار ليرة للقطاع العام، ما يعني إرتفاعا جنونيا قي حجم الكتلة النقدية بحسب مصادر المجلس المركزي. وعاد الحديث في الايام الماضية ليتركز على رفع الحد الادنى للأجور وعلى زيادة الاجور في القطاع العام بنسبة معينة، مع الابقاء على حرية شروط التعاقد في القطاع الخاص لناحية الزيادات التي اعتمدت او يمكن ان تعتمد من قِبل كل مؤسسة او شركة خاصة على حدة.
كما علمت “النهار” ان القطاع الخاص وافق على زيادة الرواتب والاجور على شكل زيادات لا تدخل في اساس الراتب لعدم قدرة المؤسسات والشركات على تحمل الزيادات التي قد تنتج بالنسبة إلى تعويضات نهاية الخدمة واشتراكات الضمان.
في التفاصيل، بدأ النقاش في إمكانية تسديد بدل شهري إضافي بقيمة الراتب، اي إضافة نسبة 100% على الراتب الاساسي في القطاع العام. وهذا ما أكدت وزارة المال ومصرف لبنان انه ستكون له تداعيات سلبية على الكتلة النقدية ونسبة التضخم، ليعود النقاش وينحصر في الساعات الماضية حول زيادة تصل إلى 50% على الراتب تدفع شهريا في القطاع العام. وهذا الحل المطروح حاليا يمكن ان يبدأ تنفيذه بداية تشرين الثاني المقبل او مطلع كانون الاول على ان يشمل كل موظف في القطاع العام ولمدة سنة كاملة، علما ان هذا الامر سيحمّل الدولة اعباء مالية جديدة. وفي هذا السياق، تطرح تساؤلات حول مصدر تأمين الايرادات المطلوبة لتمويل هذه الاضافات مع تأكيد وزارة المال رفضها المطلق للدخول بسلسلة رتب ورواتب جديدة. أما بالنسبة إلى المصادر المتوقع ان تؤمن بعض الايردات الاضافية للخزينة والتي يمكن الاستعانة بها لتمويل الانفاق الاضافي بدل الذهاب إلى طباعة المزيد من الليرة وهو ما ترفضه وزارة المال ومصرف لبنان، تبقى الرسوم العقارية والضريبة على القيمة المضافة التي ارتفعت إيراداتها بشكل كبير بعد ارتفاع سعر صفيحة البنزين، اضافة إلى قرب تعديل الدولار الجمركي ليصبح عند 10 آلاف ليرة للدولار.
أما زيادة الضرائب والرسوم الاخرى، فهذا الامر رهن بالاتفاق الاولي الذي يمكن ان تتوصل اليه الدولة مع صندوق النقد الدولي. فأي اتفاق سيلحظ بالتأكيد تعديلا برفع العديد من الرسوم والضرائب، وهو ما يندرج ضمن الاجراءات التقشفية، على ان تدخل هذه الاجراءات حيز التنفيذ مطلع العام 2022 في حال الاتفاق على برنامج تمويلي مع صندوق النقد قبل مطلع العام المقبل.



